EN
  • تاريخ النشر: 03 أكتوبر, 2012

حكاية مباراة لم تقم - بين المنتخبين الليبي والجزائري قبل 23 عاما

ليبيا مع الجزائر

ليبيا والجزائر

شهد مطلع عام 1989 عودة جديدة لنشاط المنتخب الليبي لكرة القدم الذي عاد للواجهة بعد أن نفض غبار الزمن بعد غياب دام لثلاث سنوات حين توقف نشاط المنتخب للمرة الثانية عقب مسيرته الناجحة التي كان فيها على أعتاب التأهل لمونديال المكسيك عام 86

  • تاريخ النشر: 03 أكتوبر, 2012

حكاية مباراة لم تقم - بين المنتخبين الليبي والجزائري قبل 23 عاما

شهد مطلع عام 1989 عودة جديدة لنشاط المنتخب الليبي لكرة القدم الذي عاد للواجهة بعد أن نفض غبار الزمن بعد غياب دام لثلاث سنوات حين توقف نشاط المنتخب  للمرة الثانية عقب مسيرته الناجحة التي كان فيها على أعتاب التأهل لمونديال المكسيك عام 86  عاد المنتخب بعد ذلك التوقف القسرى بثلاث سنوات ضاعت من عمر الكثير من نجوم ذلك الجيل عندما أصيبت الرياضة بانتكاسة جديدة فبعد توقف نشاطها في الفترة مابين 1979  و 1982  عادت لتتوقف مرة أخرى المشاركات الدولية وتلغى وزارة الرياضة وتصبح الرياضة بلا  وزارة ولا جهة راعية وتحال تبعيتها إلى وزارة التعليم في سابقة هي الأولى من نوعها على مستوى العالم لتبقى تحت سيطرة وهيمنة وجهل حامل الحقيبتين آنذاك وهو الذي لا يفقه لا في هذه ولا تلك لان صاحب بالين كذاب كما يقولون.

عادت المشاركات الدولية لمنتخب ليبيا  حين ظهر المنتخب الليبي في تصفيات كاس العالم 1990  بايطاليا  وأوقعته القرعة في واحدة من أقوى المجموعات الأفريقية  وهى المجموعة  الأولى التي ضمت إلى جانبه منتخبات الجزائر وساحل العاج وزيمبابوي  - بعد أن كان المنتخب الليبي قد تخطى الدور التمهيدي بتأهله على حساب منتخب بوركينافاسو بعد فوزه ذهابا بطرابلس بثلاثة  أهداف نظيفة، وخسارته إيابا بهدفين للا شيء.

سلاح وعتاد

تحول المنتخب الليبي إلى العاصمة العاجية  أبيدجان بتاريخ الثامن من شهر يناير من عام 1989  لخوض  أولى مبارياته هناك على متن طائرة عسكرية  توقفت في طريقها إلى العاصمة العاجية بمطار غينيا بيساو لإنزال بعض العتاد العسكري والذخيرة والأسلحة التي رافقت بعثة الفريق والتي كان نظام القذافى يغذى بها بعض الدول الإفريقية لإشعال نيران الفتنة والفرقة والحروب وزعزعة الاستقرار في القارة السمراء  حطت البعثة بسلامة الله الأراضي العاجية بعد رحلة شاقة وطويلة-   واستهل   الفريق مشواره في التصفيات بمباراة  خاضها إمام منتخب ساحل العاج أقيمت على ملعب الأفيال بقيادة المدرب الوطني احمد بن صويد واستطاع منتخبنا أن يقدم مباراة كبيرة وقوية رغم فقدانه لنتيجة المباراة بهدف لصفر في مباراة تصدى فيها  العملاق مصباح شنقب لركلة جزاء نفذها النجم العاجى يوسف فوفانا  وهى نتيجة  كانت تبشر ببداية وانطلاقة جديدة  بعثت فينا الأمل  والتفاؤل وأعطت الفريق نفسا جديدا ودافعا وحافزا كبيرا لمواصلة المشوار وتحقيق الفوز في مباراته الثانية بطرابلس في مواجهة المنتخب الجزائري وتعويض تعثره في لقاء افتتاح الجولة أمام  المنتخب العاجىفيما كان المنتخب الجزائري قد فاز في مباراته الأولى على ملعبه على منتخب زيمبابوي.

قبل موعد مباراة الذهاب الأولى أمام الجزائر التي كان مقرر لها أن تقام بطرابلس يوم الجمعة الموافق للعشرين من شهر يناير من عام 1989 بأيام سرت بعض الشائعات وروجت حول إلغاء المباراة وانسحاب المنتخب الليبي  ربما كانت لجس نبض الشارع الرياضي  وربما لاستخلاص ردة فعل الشارع الرياضي الرافض والعاشق والمتيم بمنتخب بلاده  الأمر الذي دفع   بعدد عدد من المسؤولين بالنظام السابق لنفيها والاجتماع بالفريق ليؤكدوا لهم انه لاصحة لكل هذه الشائعات وان المباراة ستقام فى موعدها بل والمطلوب هو تحقيق الفوز بالمباراة نظرا لأهميتها ولقيمتها.

رسالة الرئيس الجزائري

في الليلة التي سبقت المباراة قام سفير الجزائر لدى ليبيا السيد عبد القادر حجار بزيارة  لمعمر القذافى ولم تفصح نشرة الأخبار الرئيسية التي أوردت الخبر آنذاك عن تفاصيل وفحوى تلك الزيارة    لكن ماحصل كشفت عنه احد الصحف  العربية التى اطلعت عليها حيث كشفت ان سفير الجزائر لدى طرابلس كان يحمل معه رسالة شفهية من الرئيس الشاذلى بن جديد تطالبه بالتدخل لتهدئة الأجواء المشحونة والمتوترة  بين البلدين فما كان منه إلا الاستجابة  الفورية لطلبه  وإعطاء تعليمات عاجلة  بإلغاء المباراة حيث كانت أجواء من التوتر قد سادت العلاقات بين ليبيا والجزائر بسبب الحادثة الكروية الشهيرة التي حدثت فى  شهر مارس من عام 1985 فى مباراة الاتحاد  وفريق غالى معسكر الجزائرى بطرابلس والتى تعرض فيها نجم الكرة  الجزائرية الشهير الاخضر بللومى لإصابة بليغة  أتهم فيها قائد فريق الاتحاد بوبكر بانى  وهى الإصابة التى ابعدته عن الملاعب لفترة طويلة وحرمت المنتخب الجزائرى من جهوده وقد  ألقت تلك الحادثة بظلالها وجعلت أجواء من  الفتور تخيم على العلاقات بين البلدين خاصة فى المجال الرياضى.

غياب بللومى

حضر المنتخب الجزائرى بكامل نجومه قبل موعد المباراة بثلاثة أيام  وغاب بللومى رغم جاهز يته فيما تواجد المنتخب الليبى بكامل نجومه بما فيهم بوبكر بانى  الذى كان قد صرح فى وقت سابق أن علاقته مع بللومى صارت سمن على عسل وان ماحصل بينهما انتهى بانتهاء المباراة  وان الإصابة كانت نتيجة احتكاك مشترك وكرة مشتركة  بينهما ولم يكن هناك اى تعمد منى  بدليل اننى لم احصل حتى على بطاقة صفراء أثناء المباراة .

استيقظ لاعبو الفريق الليبى صباح اليوم الثاني على مائدة الإفطار وسط أجواء رائعة يسودها التفاؤل  بتحقيق الفوز   وكان ملعب طرابلس الدولى ومنذ الصباح الباكر تملا وتغطى  مدرجاته جماهير رياضية حاشدة متعطشة حضرت من كل مكان لمساندة ومؤازرة المنتخب الليبى  ومتابعة مباراة القمة ودربي الجوار.

كواليس وأسرار

وفى صباح يوم المباراة تم عقد الاجتماع الفني بحضور مسوؤلى اتحاد الكرة بالبلدين ومراقب المباراة وحكم المباراة الدولى التونسى ناجى الجوينى   وهنا حصلت المفاجأة حين أعلن رئيس اتحاد الكرة الليبى انذاك المرحوم عبد اللطيف بوكر عن تنازل المنتخب الليبى عن نتيجة المباراة لصالح المنتخب الجزائرى ولم يصدق وقتها رئيس الوفد الجزائرى هذا الخبر السار والمفاجئ بالنسبة له  فأصر على ان يدخل فريقه ارض الملعب برفقة طاقم التحكيم ويتم أعطاء الوقت القانوني للانتظار ثم يعلن عن فوز فريقه بنتيجة المباراة بهدفين لصفر حسب ماتنص عليه اللوائح   لكن رئيس اتحاد الكرة الليبى رفض هذا الأمر بشدة خوفا من حدوث أحداث شغب وردة فعل عنيفة من الجمهور الرياضي وبالتالي سيدفع اتحاد الكرة ثمنها الباهض  فتم الاتفاق على أن يتم أعداد رسالة رسمية من اتحاد الكرة الليبى ويرسل منها نسخة للفيفا تفيد بإعلان انسحاب المنتخب الليبى رسميا وتنازله عن المباراة لصالح الجزائر وهذا ماحصل بالفعل  وفى الوقت الذى كان يدور فيه كل هذا الجدال والمشاورات المتعلقة بالمباراة كان لاعبو المنتخب الجزائرى صباح يوم المباراة يقومون بإجراء حصة تدريبية قصيرة لمعاينة وتفقد أرضية الملعب قبل ساعات قليلة من موعد بداية المباراة   وقد حدثني نجم الكرة الجزائرية السابق رابح ماجر  عن ذلك عندما التقيته فى شهر مارس عام 1990  حيث كنت بالجزائر لحضور بطولة أفريقيا للأمم وبعد مرور عام  وشهرين عن هذه المباراة     وقال لي انه لأول مرة يشعر  بشىء من الرهبة وهو يواجه المنتخب الليبى على ملعبه  وقال لقد كنت متخوفا بالفعل من هذه المباراة  وقد كان الفريق الليبى بالفعل قادرا على الفوز فى تلك المباراة أمام جماهير حاشدة  ووسط أجواء كبيرة عشتها عن قرب صباح يوم المباراة حتى أن لاعبي الفريق والمدرب كمال لموى تلقوا خبر انسحاب المنتخب الليبى بسعادة وفرح كبيرين وتنفسوا الصعداء بمجرد استقبالهم لخبر الانسحاب والفوز الثمين الذي جنبهم معاناة كبيرة ووفر عليهم الكثير من الجهد والأعباء والإعياء   والحق يقال والكلام لرابح ماجر أننا رغم تفوقنا فى الكثير من المرات على المنتخب الليبى وإقصائنا له وتأهلنا على حسابه إلا إننا كنا نعمل ألف حساب لمباريات المنتخب الليبى التى كانت تتسم بالندية وكنا نتأهل ونتخطى عقبة المنتخب الليبى بصعوبة .

وكانت وقتها تشكيلة المنتخب الجزائرى تضم أسماء كبيرة  يتقدمها النجم الكبير رابح ماجر وجمال مناد وشريف وزانى وموسى صايب ومغاريا ووجانى وجمال عمانى وهو الفريق الذي توج فيما بعد ببطولة أمم أفريقيا التى جرت عام 1990 بالجزائر  فيما كان المنتخب الليبى وقتها أيضا يضم  أسماء كروية لامعة أمثال قائد الفريق بوبكر بانى وحارس المرمى العملاق مصباح شنقب والنجم  فوزى العيساوى والبشارى وسالم الجهانى وعزالدين بيزان وونيس خير.

قرار الانسحاب

ظلت الجماهير الرياضية الحاشدة على مدرجات الملعب فى حالة ترقب فى انتظار أن تدق الساعة  السادسة مساء وهو موعد انطلاق المباراة وهى لم تكن تدرى بما كان  يدور ويدبر بعيدا عنها خلف الكواليس إلى أن جاءها الخبر اليقين والمفجع فلم تقوى على  احتمال هذه الصدمة فالرياضة وكرة القدم بالنسبة لها هي خبزها اليومي  ومصدر  فرحها وسعادتها ووسيلة  للترويح والمتنفس الوحيد لكل هؤلاء الكادحين  فخرجوا فى  مسيرة سلمية ومظاهرة غضب كبيرة رافضين قرار الانسحاب وسط هتافات مدوية ضد نظام القذافى الذى كان فى أوج وذروة قبضته الأمنية وشراسته فجابههم بالرصاص الحي فسقط عشرات الشهداء وتحول الكثير  من الأبرياء ممن  جاؤوا للاستمتاع بأمسية كروية الى  المعتقلات والسجون ودفعت هذه الجماهير العاشقة ثمن وفاتورة عشقها لكرة القدم وتعلقها وشغفها  وغيرتها على منتخب بلادها  وخيم الحزن على المشهد الرياضى فى تلك الفترة وتوقفت المشاركات الدولية من جديد لتصاب الرياضة وكرة القدم بانتكاسة جديدة    رحم الله شهداء 20 يناير 1989  شهداء مباراة ليبيا والجزائر من شباب وأبناء العاصمة ورحم الله كل شهداءنا الأبرار الذين أناروا لنا طريق الحرية وجعلونا نكشف كل هذه الحقائق والانتهاكات التي  كان يمارسها النظام المستبد في حق أبناءنا  وشبابنا والتي لم يسلم منها المجال الرياضي  والتي جعلت من مسيرة 42 عاما الماضية مسيرة بلا حصاد ولا انجازات بفضل هذه التدخلات والإهمال الذى طال المجال الرياضى وكرة القدم ومنتخباتها ونجومها.الذين  كان يخشى  أن يقاسمونه ويزاحمونه الشهرة والأضواء.