EN
  • تاريخ النشر: 18 نوفمبر, 2012

"العشرية السوداء" وتساؤل في عيد الثورة الجزائرية "التائب" يخشى الإرهاب المسلح ويدين قانون العفو!!

فيلم التائب

فيلم التائب

مهرجان الدوحة ترايبكا في دورته الرابعة يحتفل باليوبيل الذهبي للثورة الجزائرية ويعرض فيلم "التائب" لللمخرج الجزائرى مرزاق علواش الذي يتعرض لتلك السنوات التي عاش فيها الجزائريون وهم مهددون في ممتلكاتهم وأرواحهم بسبب الإرهاب.

  • تاريخ النشر: 18 نوفمبر, 2012

"العشرية السوداء" وتساؤل في عيد الثورة الجزائرية "التائب" يخشى الإرهاب المسلح ويدين قانون العفو!!

 

تعيش الجزائر أفراح استقلالها بذكرى مرور 50 عاماً على ثورة المليون ونصف المليون شهيد التي دفع فيها الجزائريون من دمائهم للحصول على أرضهم حرة.

عاشت الجزائر منذ نهاية الثمانينيات وحتى نهاية التسعينيات على مدى عشر سنوات تحت سطوة الإرهاب المسلح باسم الدين - عرفت باسم العشرية السوداء - والذي أراد اغتيال الحياة باسم كتاب الله حتى أصدر الرئيس الجزائي عبد العزيز بو تفليقة قراراً بالعفو عن الجميع مقابل التوبة  عن القتل وسفك الدماء التي تعرض لها أبناء الوطن بأيدي أبناء الوطن.

مهرجان الدوحة ترايبكا في دورته الرابعة التي افتتحت مساء السبت الماضي يقدم بانوراما للاحتفال باليوبيل الذهبي للثورة الجزائرية ويعرض العديد من الأفلام مثل "ريح الأوراس" للأخضر حامينا و "عمرقتلتو" لمرزاق علواش الذي يتناول الثورة وفي نفس الوقت يعرض لعلواش فيلمه الجديد "التائب" الذي يتعرض لتلك السنوات التي عاش فيها الجزائريون وهم مهددون في ممتلكاتهم وأرواحهم.  

السؤال الذي تقرأه في ثنايا الشريط السينمائي هو هل تمحو السنين المعاناة وهل يموت الثأر في النفوس.. الرحمة فوق العدل ولكن هل من نعفو عنهم يستحقون بالفعل المغفرة؟!

في الجزائر وفي عام 1999 أصدرت الدولة قراراً بالعفو عن الإرهابيين تطلب منهم العودة لمنازلهم والخروج من الجبل إلى الحياة مقابل عدم ملاحقتهم جنائياً.. المخرج الجزائري "مرزاق علواش" يتساءل في فيلمه "التائب" الذي عرض من قبل في قسم "أسبوعي المخرجين" بالمهرجان هل هم مهيئون لكي يصالحون الحياة.. الإرهاب كما يراه "علواش" لم يكن حالة طارئة بل هو عقيدة تعيش في أعماقهم وزمن العفو بالنسبة لهم سيتحول إلى مساحة لالتقاط الأنفاس وبعدها يستعدون مرة أخرى للانقضاض على الحياة.

عندما تعفو الدولة هل يغفر الناس؟ المخرج يجيب عن السؤال مؤكداً أن الإرهاب في الصدور وأن الناس لم تنسى وهكذا شاهدنا شخصية الإرهابي العائد من الجبل إلى بلده وهو منبوذ من الجميع  القرية التي جاء منها لم يستطع أهلها أن ينسوا الدماء التي أريقت فهم يريدون الانتقام وطاردوه من منزله ويذهب الإرهابي للعمل في بلدة أخرى صبي قهوجي وعندما يحاول التقرب من صاحب المقهى ويناديه بكلمة أخي ينهره قائلاً لست أخيك.

الناس ترفض أن تنسى فلقد كان الإرهاب المسلح في الجزائر قاسياً ودموياًَ ولا يعرف رحمة وهو يغتال المئات من الأبرياء إلا أن الوجه الآخر من الصورة أن الإرهابي أيضاً لم ينسى لا يزال في أعماقه رغبة لكي يغتال ويقتل ويتاجر حتى في قبور الأبرياء.

في مشهد شديد الدلالة شاهدنا الأم التي فقدت ابنتها وهي تبحث عن المقبرة في رحلة بالسيارة كان معها زوجها الصيدلي وهو الذي عقد الصفقة مع الإرهابي يريه قبر ابنته مقابل أن يحصل على المال.. الحياة انتهت تماماً لهذه الأسرة الأم فقدت رغبتها فى التواصل حتى مع زوجها والأب يستعيد مسدسه عندما تلقى الخبر مجدداً بأن إرهابي يتصل به يساومه على رفات الابنة!!

الصراع يبدو حتمياً ولا يمكن أن نمحو من الذاكرة الدماء التي اغتالها الإرهاب.. نتذكر دعوة "نيلسون مانديلا" في جنوب أفريقيا بأن يحقق العدالة أولاً فهو طلب أن يعفو الناس الذين أضيروا من العنف العنصري وأن يحصلوا على التعويض لو أرادوا.. العفو ليس دولة أو حاكم يصدر قراراً ولكن بشراً وقع عليهم الظلم ودفعوا الثمن هم فقط من حقهم المغفرة.. بينما في الجزائر كما يقول "علواشمن خلال الشريط السينمائي لا تزال النار تحت الرماد فلا الناس تنازلت عن طلب الثأر ولا الإرهابي تراجع عن موقفه.

المشهد الأخير الذي ينتهي إليه الفيلم هو صوت الرصاص ووقع أقدام الإرهابيين في الجبل ليظل التساؤل قائماً في داخلنا ليس فقط عن الإرهاب ولكن ما الذي من الممكن أن يحدث لو تصورنا أن حاكم يعتلي كرسي الرئاسة في مصر ويقرر أن يعفو عن من اقتلعوا العيون وأزهقوا الأرواح واغتصبوا البلاد هل يتسامح الناس؟!

يبدو كل شيء له أكثر من وجه.. ليس من الممكن أن نغلق الباب أمام العفو ولكن من يعفو ليس الدولة ولكن الذين دفعوا الثمن وفقدوا أعز ما يملكون.

الفكرة التي بنى عليها المخرج موقفه تستحق التأمل إلا أن الحقيقة هي أن "علواش" منذ البداية وهو محدد الهدف يرفض العفو.. قدم شخصيات تمارس الإرهاب ولم يشفع لها التسامح الذي منحه النظام كما أنه وضعنا جميعاً في موقف نرفض فيه توبة هؤلاء لأنهم مخادعون.

هل المخرج كان منصفاً وهو يقدم فيلمه بهذا الجنوح؟ الحقيقة هي أن هناك دائماً مساحة ينبغي الركون إليها وهي أن نتسامح وفي نفس الوقت أن تتحقق العدالة.

الدماء تؤدي إلى مزيد من الدماء عاشت الجزائر عشر سنوات تحت مرمى تلك النيران المتبادلة بين قوات نظامية تحاول أن توقف نزيف الدماء التي يريقها الإرهاب وبلد يحترق وتستنزف دمائه ويدمر اقتصاده ويفقد البنية التحتية ولا يجني غير الدمار.

"مرزاق" لديه قرار مسبق أحاله إلى فيلم لا يرى سوى جانب واحد فقط استحالة العيش المشترك.. قرار العفو يحتاج ربما إلى مراجعة ولكن البديل ليس هو تبادل العنف المسلح بين الدولة والإرهاب.. كانت أفكار المخرج أعلى من رؤيته السينمائية فلم أرى فيلماً ولكن فكراً!!

الفيلم يتنافس في مسابقة الأفلام الطويلة للحصول على جائزة أفضل فيلم عربي وكان قد سبق لعلواش أن حصل على ذهبية المهرجان في الدورة الثالثة بفيلم "نورمال" فهل يقتنصها مجدداً في الدورة الرابعة بفيلم "التائب"؟ انتظروا الإجابة ليلة ختام المهرجان الجمعة 23 نوفمبر تشرين الثاني !!

المقال يعبر عن رأي صاحبه