EN
  • تاريخ النشر: 23 ديسمبر, 2012

مهرجانات الخليج أنجبت أفلاماً تحصد الجوائز المخرجة السعودية هيفاء المنصور.. الحياد الظاهري لا ينفي الانحياز!!

هيفاء المنصور

هيفاء المنصور

الفيلم السعودي "واجدة" لهيفاء المنصور الفائز بجائزة أفضل فيلم عربي يؤكد أن مهرجانات الخليج أثمرت أفلاماً تحصد الجوائز.

 انتهي في الأسبوع الماضي مهرجان دبي في دورته التاسعة بإجابة على سؤال استمر 9 سنوات مع بداية انطلاق المهرجان عام 2004.. كان السؤال أو إن شئت الدقة تساؤل بمذاق العتاب وهو أين الفيلم الخليجي؟ جاءت الإجابة هذا العام عندما حصل الفيلم السعودي "واجدة" لهيفاء المنصور على جائزة أفضل فيلم عربي.

مع كل مهرجان خليجي يُطرح نفس السؤال وعلى طريقة "البيضة أم الفرخة" هل الأجدى أن تتوجه رؤوس الأموال إلي صناعة أفلام سينمائية أم تتبدد في إقامة مهرجان سينمائي تنتهي فعالياته بعد بضعة أيام وينتهي أيضاً تأثيره.. أليس من المنطقي أن تُصنع أفلاماً أولاً وبعد ذلك تقام مهرجانات تشارك فيها سينما البلد المضيف صاحب الأرض.. تحول هذا السؤال إلى "راكور" ثابت لا يتغير في كل مهرجان خليجي إلا أننا في السنوات الأخيرة وجدنا أمامنا زاوية رؤية أخرى مختلفة ربما تحمل رداً عملياً على السؤال إنها تلك الأفلام التي تشارك في إنتاجها مثلاً مهرجانات مثل "أبو ظبي" و "دبي" و "الدوحة".. بالطبع فإن تقديم الأفلام هو الهدف الأسمى الذي ينبغي أن تسعى إليه كل الدول إلا أننا لسنا في مجال اختيار بين فيلم ومهرجان، ولكن ما الذي يضمن أن ميزانية المهرجان سوف تتوجه بالضرورة إلى إنتاج فيلم سينمائي؟ الحقيقية هي أن المهرجانات أنجبت مهرجانات قبل أن تنجب أفلاماً ولكن هذه المهرجانات أيضاً بدأت تتسابق في دعم الأفلام العالمية التي يشارك فيها ممثلون عرب وسبق مثلاً في مهرجان أبو ظبى أن شاهدنا فيلم "لعبة عادلة" بطولة شون بن الذي شارك فيه في دور صغير خالد النبوي وقبلها فيلم للمخرج العالمي ريدلي سكوت وهو "مملكة الجنة" حيث لعب دور صلاح الدين الأيوبي الفنان السوري غسان مسعود وهذا العام "مراجحة" بطولة ريتشادر جير المرشح بقوة للأوسكار 2013.

416

ويبقى أن المهرجانات تخلق دائماً حالة من الشغف السينمائي لدى الجمهور ويستطيع المهرجان أن يساهم في تهيئة الأجواء لمناخ يساعد على إنتاج الأفلام.. الفيلم بحاجة إلي توجه يحمل في أعماقه بعدين فكري وتجاري.. السينما الخليجية وتتناول قضايا محلية لا يتم تسويقها إلا في إطار السوق الخليجية وشركات الإنتاج لا تتحمس لإنتاج الفيلم الذي قد يشكل بالنسبة لها خسارة مادية.. إلا أن إقامة مهرجان سينمائي بات يحمل قوة ضغط لضرورة إنتاج سينمائي في مجال الفيلم الطويل وهناك بعض الأفلام تم إنتاجها مؤخراً ويتم الدفع بها للاشتراك رسمياً في التسابق في مجال الفيلم الروائي إلا أن مستوي هذه الأفلام لم يرق إلى المنافسة الدولية حتى حقق الفيلم السعودي "واجدة" تلك الجائزة في مهرجان دبي  للمخرجة هيفاء المنصور وكالعادة بدأ البعض يتحدث عن الطبيعة النسائية للفيلم.

لا أميل إلى هذا التصنيف الذي يضع للإبداع خطوطاً فاصلة بين ما هو رجالي ونسائي. في مسابقات القوى الجسدية بالطبع هناك كرة قدم للرجال وأخرى للنساء وسباق سباحة للنساء وآخر للرجال ولكن في مجال الفن والثقافة يصبح الفيصل الوحيد هو ما الذي يحتويه العمل الفني من تفرد.

المملكة العربية السعودية نظرياً ليست جديدة على الدخول إلى مجال الفيلم الروائي الطويل هناك أكثر من محاولة سابقة، ولكن الفيلم الذي كتبته وأخرجته هيفاء المنصور يضع السينما على الطريق الصحيح، الشريط السينمائي الناضج بمفرداته السينمائية والذي من الممكن أن يفتح الباب أمام أفلاماً روائية أخرى قادمة هو بلا شك "واجدة".

مثلاً المخرج السعودي عبد الله المحيسن له فيلمين روائيين سابقين ولكن تظل هيفاء هي أول مخرجة سعودية تتواجد في المهرجانات الكبرى حيث بدأت رحلتها مع هذا الفيلم في مهرجان فينسيا الذي عقد في شهر سبتمبر الماضي وبعدها انتقل إلى مهرجان دبي.

السينما هي أكثر الفنون التي تتنفس فقط من خلال الإقبال الجماهيري وهي دوماً  تحتاج إلى أرض تسمح بالانتقاد الاجتماعي، وفي الخليج بسبب العديد من المحظورات يبدو وكأن الأمر عصياً على الاقتحام، هيفاء المنصور بدأت خطوة جريئة. قد يبدو الأمر للوهلة الأولى لمن ينظر خارج الإطار الاجتماعي لا يعني شيئاً ولكنه في السعودية تحديداً وفي الخليج بوجه عام لا شك أنه يعني الكثير لقد صورت هيفاء هذا الفيلم في العاصمة الرياض وكانت أحياناً تضطر أن تصور بعض اللقطات وهي داخل العربة لأنه ليس من المتعارف عليه في المملكة أن تقف المرأة في الشارع وتخرج الفيلم.

 المخرجة قدمت قضيتها بقدر كبير من الهدوء الفني وعلى طريقة الأفلام الإيرانية التي نستشعر فيها بالهمس مهما حمل الفيلم من نقد اجتماعي.. القضية هي الحرية وحقوق المرأة ومن خلال عيون الصبية التي أدت دورها "وعد محمد" الحاصلة على جائزة أفضل ممثلة في المهرجان نحاول أن نعثر على إجابة لهذا السؤال كيف يسمح لفتاة صغيرة بأن تقود دراجة في الشارع.. إنه أحد الممنوعات ولكن هيفاء المنصور تقدم فتاة صغيرة تحلم بأن تركب دراجة مثل زميلها حاولت أكثر من مرة أن تقودها خلسة ولكن دائماً هناك صوت يعلو بالتحريم.. تنتهي الأحداث بأن نرى الفتاة وهي تستقل الدراجة في الشارع بحرية بعد أن اشترتها لها أمها التي تؤدي دورها "ريم عبد الله" ليقدم الفيلم ملمحاً آخر في الدعوة للتحرر، الأم تُمثل جيل سابق ولكنه يؤمن بالحرية والمساواة حتى لو لم تترجم ذلك عملياً في حياتها فهي تحققه من خلال ابنتها.

لا يتوقف الأمر عند تلك النقطة الفارقة ولكن السيناريو أيضاً يواصل طرق الباب عندما تضع الفتاة اسمها في شجرة العائلة المرسومة عل الحائط برغم أن الشجرة تخلو تماماً من أي اعتراف بالمرأة.

هيفاء المنصور تُقدم فيلماً يحمل الكثير من اللمحات الإبداعية ولكن لا يمكن أن نتابعه بعيداً عن القيود الاجتماعية التي تستند إلى معايير دينية.

حلم الدراجة هو المحرك للأحداث وتبدأ الفتاة بوضع الخطة وهي أن عليها أن تحصل على المال.. ويضع السيناريو أمام الفتاة تحدي آخر وهو حفظ القرآن وتجويده وتفسير معانيه إنها تبدو واحدة من الحواجز الصعبة والهدف الذي تحلم به الفتاة ليس حفظ القرآن ولكن  شراء الدراجة وأرى في هذا الاختيار تحدي آخر في ظل مجتمع بطبعه لا يسمح بالاقتراب من المقدس على أي نحو.. وتفوز بالجائزة ولا تخفي هدفها الأثير وهو أن تشتري دراجة.. وفي مقايضة ساخرة تتعرض الفتاة لنوع آخر من القهر عندما تقرر المعلمة أن الفتاة - رغماً عنها - سوف تهدي الألف ريال إلى الفلسطينيين دعماً لقضيتهم.

من الملامح الهامة في الفيلم أن المخرجة مثلاً لا تطبق قانون الحجاب على البطلات  فهن لا يرتدين الحجاب في البيت ولا المدرسة فقط في الشارع.. هذه تبدو تفصيلة ولكنها تؤكد على أن السعودية لا تطبق معايير دينية مباشرة على الفيلم برغم أنه حصل على القسط الأكبر في تمويله من شركات سعودية.

أجادت المخرجة توجيه الأطفال في الأداء أمام الكاميرا وحافظت على تلقائية الطفلين. كما أنها نجحت في تقديم سينما وليس مجرد شريط سينمائي، إنها سينما بها مفردات اللغة الفنية وتحمل في نفس الوقت موقفاً تحريضياً يراهن على حق الإنسان في الحرية ويدفع  المرأة أن تنتزع حقوقها ومن المؤكد أنه سيفتح الباب أمام أفلام قادمة قادرة على المشاغبة في مساحات أبعد.

الفيلم بالطبع لن يعرض في المملكة العربية السعودية لعدم توفر دور عرض ولكنه سوف يجد طريقه ولا شك للمواطن السعودي الذي سوف يراه علي اسطوانات وفي الفضائيات كما أن الفيلم تم تسويقه تجارياً في أمريكا والعديد من الدول الأوربية ليضع السعودية على خريطة السينما في العالم.. هيفاء المنصور طرحت وجهة نظرها في تلك القضية الاجتماعية  الشائكة بحياد ظاهري علي السطح ولكنه في الحقيقة عندما تتأمله تتأكد أنها منحازة للحرية التي يتساوي فيها الرجال والنساء.

المقال يعبر عن رأى صاحبه