EN
  • تاريخ النشر: 09 ديسمبر, 2012

من حسن سبانخ إلي البيه "البواب" الغضب من الأعمال الفنية ظاهرة عربية!!

في عالمنا العربي كثيراً ما نواجه بدعاوى لمصادرة الأعمال الفنية لمجرد أنها تتناول بالنقد بعض السلبيات لشخصية تمارس مهنة ما على الفور نفاجأ بأن بعض من يعملون في هذه المهنة ينتفضون غاضبين لإقامة دعوى قضائية بدعوى حماية المهنة.

  • تاريخ النشر: 09 ديسمبر, 2012

من حسن سبانخ إلي البيه "البواب" الغضب من الأعمال الفنية ظاهرة عربية!!

في لبنان تطارد هذه الأيام فيلم "ماي لاست فالنتين" دعاوى قضائية لمصادرته حيث أن نقابة الممرضين والممرضات في لبنان اعتبرت أن الفيلم يحمل تعريضاً لمن يعمل في هذه المهنة لأنه يقدم ممرضات في ثياب راقصات وطالبت الدولة بمنع عرضه.

  الحقيقة أننا في عالمنا العربي كثيراً ما نواجه بدعاوى مماثلة لمصادرة الأعمال الفنية لمجرد أنها تتناول بالنقد بعض السلبيات لشخصية تمارس مهنة ما على الفور نفاجأ بأن  بعض من يعملون في هذه المهنة ينتفضون غاضبون فتقرر النقابة التي ينضوون تحت مظلتها إلى إقامة دعوى قضائية بدعوى حماية المهنة. الغريب مثلاً أن نقابة الصحفيين المصرية والتي من المفروض أن المنوط بها أن تدافع عن حرية الإبداع كثيراً ما تورطت في معارك مماثلة. قبل بضعة أشهر على سبيل المثال عندما أنتجت وكتبت ولعبت بطولة فيلم اسمه "واحدة ونص" راقصة مغمورة وتناولت أحداث الفيلم حكاية راقصة بدأت حياتها صحافية اعتبرها البعض من الزملاء مسيئة لمهنة صاحبة الجلالة رغم إنها بالمناسبة حدثت بالفعل كما أنه من الممكن أن تنظر للأمر بوجهة نظر أخرى فتكتشف أن مجرد إثارة هذه القضية تؤدي إلى لفت الانتباه إلى فيلم رديء وتقدم له في هذه الحالة دعاية مجانية.

ولنقابة الصحفيين تاريخ في طلب المصادرة سابق على هذا حيث إنها قبل 6 سنوات انتفضت غاضبة بسبب فيلم "عمارة يعقوبيان" لأن كاتب الرواية علاء الاسواني قدم صحفي شاذ جنسياً ولكن الحقيقة هي أنه في نهاية الأمر يعلو صوت العقل في نقابة الصحفيين وقبل أن ينتقل الأمر إلى القضاء يتدخل العقلاء في النقابة ويوقفون مثل هذه الدعاوى التي تسيء في جانب منها إلى نقابة المفروض أنها تدافع عن أصحاب الرأي.

 ولدينا في الحقيقة عشرات من القضايا المماثلة مثلاً النقابة العامة للمرشدين السياحيين أعلنت من قبل عن غضبها من أحداث مسلسل تليفزيوني عرض في العام الماضي "هيما" حيث أن البطل "أحمد رزق" دفع 15 ألف جنيه على سبيل الرشوة من أجل الحصول على كارنيه النقابة.. كما أنه استفزتهم كلمة جاءت على لسان أحد المسئولين عن التراخيص عندما قال "لو كان لك عند الكلب حاجة قوله يا سيدي".

الحقيقة هي أنها من توابع تراكم الحساسية التي تزداد معالمها في المجتمعات العربية عام بعد آخر حيث تشعر كل فئة في المجتمع أنه ينبغي أن يتم حمايتها والاحتفاء بها وأنهم فقط الذين يستحقون مكانة خاصة وأن الأخطاء لا تأتي أبداً منهم، كل فئة أو رابطة تعتقد أنها فقط على صواب وأن الأخطاء لا تأتيها من بين يديها ولا من خلفها.. لو أنك راجعت المسلسلات الدرامية أو الأفلام وسألت من هي الفئة التي لم تتناولها بالنقد فلن تجد.. رجال الأعمال فاسدون، الصحفيون فاسدون، المحامون فاسدون، الأطباء فاسدون، الموظفون فاسدون.. فلماذا تريد فئة أن تستثني من الاتهام بظاهرة الفساد؟.. لا أشك لحظة واحدة أن هناك قدر من حسن النية يغلف مشاعر الغضب والدليل أنهم في العادة يتراجعون في اللحظات الأخيرة أتذكر مثلاً قبل خمس سنوات أن غضب المرشدون السياحيون أيضاً من مسلسل "نور الصباح" الذي لعبت بطولته "ليلى علوي" والذي كانت تجري أحداثه في عالم اقتصاديات وصفقات وبيزنس السياحة.. والحقيقة أنه على مدى السنوات الأخيرة سوف تجد مثلاً أن رابطة المأذونين غاضبة من صورة المأذون وسبق للمحامين أن أعلنوا غضبهم قبل 30 عاماً ضد فيلم "الأفوكاتو" وأقيمت دعوى خسرها في الدرجة الأولى "رأفت الميهي" الكاتب والمخرج والمنتج لهذا الفيلم وأيضاً النجم "عادل إمام" وصدر الحكم ضدهم بالحبس لمدة عام وبعد ذلك حصلوا على البراءة في الاستئناف!!

في فيلم "بنات وسط البلد" للمخرج "محمد خان" غضبت رابطة الحلاقين لأن "أحمد بدير" كان يقدم شخصية كوافير نسائي دائماً ما تفلت نظرات من عينيه إلى الزبائن اعتبرتها أيضاً الرابطة تحمل سخرية غير مبررة من الحلاقين وأنها من الممكن أن تؤثر على مصداقيتهم أمام الزبائن لم تستوعب رابطة الحلاقين روح السخرية الكامنة التي زرعتها كاتبة الفيلم "وسام سليمان" في تلك الشخصية وفي فيلم " البيه البواب" اعترضت رابطة البوابين على شخصية عبد السميع البواب التي أداها أحمد زكي وانتهي الفيلم بعد أن أصبح هو صاحب العمارة!!

سبق مثلاً في فيلم قديم "شعبان تحت الصفر" لعادل إمام أن قدم السيناريو الذي كتبه "سمير عبد العظيم" وأخرجه "هنري بركات" شخصية عمدة قرية اسمها "خربتها" وعلى الفور أقام العمدة الذي ينتمي لهذه القرية دعوى ضد الفيلم مؤكداً أنه العمدة المقصود وطالب بإيقاف عرض الفيلم وكان العمدة قبل 30 عاماً عند عرض الفيلم هو أحد نجوم الإعلام حيث أن الجميع كانوا يتهافتون لاستضافته وهو بزي العمودية لمهاجمة "شعبان".. لو تصورنا أن صناع الأعمال الفنية استجابوا إلى الغضب الذي تعلنه فئات المجتمع واحدة تلو الأخرى فما هو المنتظر أن تقدمه الأعمال الفنية هل تقدم الشخصيات في إطار تجريدي لا تحدد على وجه اليقين وظيفتها ولا بلدها.. لماذا لا نتعامل بقدر من المرونة مع الأعمال الفنية.. الصحفيون الذين يتناولون عادة عالم صاحبة الجلالة في أعمالهم الأدبية تعودوا على أن يقدموا سلبيات المجتمع الصحفي في أعمال روائية ودرامية كتبوها بأيديهم مثل "زينب والعرش" التي كتبها الروائي الكبير وأيضاً الصحفي الكبير الأستاذ فتحي غانم.. كما أن أستاذنا الكبير موسى صبري كتب "دموع صاحبة الجلالة" وموسى بالطبع أحد عناوين الصحافة المصرية المضيئة ولم يقتصر الأمر فقط عند حدود نقد مهنة الصحافة ولكن امتد إلى ما بعد ذلك حتى أن البعض كان يعتقد أن موسى صبري يقصد صحفي محدد بشخصية "محفوظ عجب" بطل الرواية وهو ما نفاه بعد ذلك الأستاذ موسى مؤكداً أنه أراد فقط أن يطرح سلبيات المهنة كما أن الكاتب والصحفي الكبير مصطفي أمين كتب رواية "صاحب الجلالة الحب" مليئة بالنقد لكواليس الصحافة إلا أنه في كل الأحوال لا تزال نقابة الصحفيين تتمتع بقدرتها على التسامح والدليل هذا الكم الرهيب من الأخطاء التي حفلت بها المسلسلات الرمضانية التي تناولت عالم الصحافة والحقيقة أن أغلب الأعمال الفنية التي تتناول مهنة نكتشف ونحن نتابعها عشرات من الأخطاء الدرامية إنها لا تقدم تفاصيل حقيقية لطبيعة تلك المهنة وهي أخطاء من حق القائمين على النقابة التدخل لتصحيحها إلا أننا لم نتعود سوى على الصراخ عندما نرى أفعال مسيئة ترتبط بتلك الشخصيات!!

لا أحد ولا أي مهنة من حق أصحابها أن يعتبروا بأن على رؤوسهم ريشة تمنع الاقتراب منهم علينا أن نفتح باب النقد لأننا بالتأكيد لسنا ملائكة وبيننا بشر تفوقوا في شرهم على الشياطين، وعلى الدراما أن تفضح هؤلاء الشياطين في كل المهن!!

المقال يعبر عن رأى صاحبه