EN
  • تاريخ النشر: 25 نوفمبر, 2016

مقال: الشهرة غير المؤثرة من منظور التسويق

سعد الحقيل

العائلة ملتمة بعد صلاة الجمعة، البعض يتحدث والقلة تنصت والكل مشغول بجواله! والوالد يذكر: "اجتمعنا لنعرف أخباركم منكم مباشرة لا نحتاج هذه المرة أن نعرف عنها عن طريق وسائل الاتصال في هواتفكم الذكية".

(سعد بن عبد العزيز الحقيل)   

العائلة ملتمة بعد صلاة الجمعة، البعض يتحدث والقلة تنصت والكل مشغول بجواله! والوالد يذكر: "اجتمعنا لنعرف أخباركم منكم مباشرة لا نحتاج هذه المرة أن نعرف عنها عن طريق وسائل الاتصال في هواتفكم الذكية".

بعيدا عن هذا الحوار الشائع في معظم بيوتنا العربية، أجلس بجانب قريبي ذي الأعوام الثمانية يطلعني على بعض حسابات مشاهير "سناب شات" ورغم أن طبيعة مقاطع هذا البرنامج قصيرة ـ بضع ثواني ـ إلا أن قريبي الصغير يضغط على الشاشة ليتجاوز عدة مقاطع لمشاهير يحبهم أسأله لماذا؟ يجاوبني "دعاية مكشوفة!"

 

رغم الحقيقة المؤلمة أن الكثير في عالمنا العربي يختزل علم التسويق في الدعاية والإعلان أجدها فرصة لتوضيح أن الدعاية والإعلان جزء صغير من الترويج والذي هو بدوره جزء صغير من علم التسويق، العلم الذي يأتي منه معظم قائدي أكبر الشركات العالمية المدير الذي يأتي من خلفية تسويقية هو أكثر مدير مرشح ليصبح الرئيس التنفذي للشركة -.

 إن عبارة قريبي الصغير ربما شخّصت واقعنا المحلي في فهم وتطبيق علم التسويق. إن الإعلان المكشوف الذي شاهده قريبي الصغير هو محاكاة فاشلة لما يسمى الإعلان السياقيProduct placement   وهو طريقة إعلانية فعالة ومؤثرة جدا تعتمد عليها كبار الشركات الناجحة كشركة آبل وستاربكس ومرسيدس، كما تعتمد عليها الدول العظمى كأمريكا التي سَوّقت أسلوب حياتها ونجاحاتها وقوتها عن طريق هوليوود. فلماذا هو كذلك؟

 

ربما كان من الطريف أن أشير بأن هذه المقالة تأخر نشرها عدة أشهر بسبب العجز عن إيجاد مصطلح عربي مناسب لهذا النوع من الإعلان، وإيماناً مني بعجزي طلبت العون من أصدقاء الصنعة أساتذة وطلابا ومن بين اقتراحاتهم المشكورة لهذا المصطلح - أظن والله أعلم - أن أنسب مصطلح وصلني يترجم المعنى الجوهري لهذا المفهوم هو السياق الإعلاني والذي أتت به الأخت/ نورة الزامل فماذا نعني بالسياق الإعلاني؟

 

السياق الإعلاني هو طريقة ترويجية أو إعلانية حاذقة بها يضاف منتج لعلامة تجارية معروفة كالهاتف الذكي ـ آي فون ـ  لشركة آبل بطريقة طبيعية وغير ملاحظة إلى سياق فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني، ويكون لهذا المنتج دور مقتضب ـ ٧٠٪ من السياق الإعلاني في الأفلام الأمريكية لا يتجاوز ٦ ثوان * ـ غير مباشر ومؤثر وإيجابي في قصة الفيلم. ورغم ظهور هذه العلامة التجارية لبضعة ثوان إلى أن تكلفة هذه الثواني غالية جدا تصل إلى ملايين الدولارات خصوصا إذا ما كان الفيلم (السياق) تتوفر فيه عناصر النجاح كبطل ومخرج الفيلم وعنوان الموضوع.

وهذا استعراض لأرقام وحقائق تبين أهمية وفعالية السياق الإعلاني كطريقة ترويجية مؤثرة في عالم التسويق:

بسبب أن الإعلان غير مباشر ـ غير مكشوف كما لاحظ قريبي الصغير ـ فإنه يؤثر في عقلنا الباطن والذي ـ يختلف عن عقلنا الواعي - والذي بدوره يؤثر تأثيرا كبيرا في قراراتنا الاستهلاكية خصوصا الروتينية منها، كما أنه يحدد بشكل كبير تفضيلاتنا وشعورنا تجاه منتجات وعلامات تجارية دون أخرى، وقد كشفت دراسة تسويقية حديثة أن تأثير السياق الإعلاني والإعلان ممكن أن يؤثر حتى على أطفال بعمر ثلاث سنوات ويجعلهم يفضلون المنتج ذا العلامة التجارية المعروفة على المنتج من دون علامة تجارية!

إن تأثير هذا النوع من الإعلان عميق جداً على عالم الأعمال ليس بسبب أنه فقط يساهم في زيادة مبيعات الشركات بل أيضا يسهل على الشركات إقناع عملائها بدفع أسعار أعلى من الطبيعية أو زياردة رضاهم. ومن المدهش أن تجد أن أكثر علامة تجارية استثمرت في السياق الإعلاني في العقدين الماضيين هي شركة آبل الأمريكية وهي الشركة الرائدة في تبنى الفكر التسويق فقد نجحت آبل أن تضع علامتها التجارية ومنتجاتها في أكثر من ٣٠٪ من أفلام هوليوود الشهيرة في العقدين الماضيين.

أيضا ستاربكس ثاني الرابحين من السياق الإعلاني واعتمدت عليه في الترواج لعلامتها التجارية التي أصبحت اليوم من أكثر العلامات التجارية قيمة ومحبة في شتى بقاع الأرض. شركات وعلامات تجارية ضاربة كالعلامة الرياضية الشهيرة نايكي أو نادي دالاس كابوي أو شركات السيارات الألمانية المميزة مرسيدس و بي أم دبليو أيضا تخصص سنوياً عشرات الملايين من الدولارات للسياق الإعلاني.

 

السؤال الآن لماذا خصصت أكبر الشركات العالمية هذه المبالغ الطائلة؟ الإجابة بسيطة هي أن ما يتعدى ١٢٠ مليون مشاهد ـ متوسط مشاهدي الأفلام المتضمنة سياقاً إعلانياً في أفلام هوليوود ـ  ليس فقط سيعرفون عن منتجات هذه الشركات بطريقة حاذقة بل أيضا سيتعرفون على العلامة التجارية أثناء أوقاتهم الجميلة حيث إن المستهلك الذي يشاهد فيلماً عادة يكون في مزاج مناسب ومستعد نفسياً لقضاء وقت ممتع وبالتالي فإن إدخال علامة معينة في سياق الفيلم سيزيد من فرصة تقبله للعلامة واستلطافها. ومن البراهين التي تثبت فعالية هذا الإعلان ـ السياق الإعلان ـ تجربة شركة بي أم دبليو التي عرضت نوعا جديدا من سيارتها لم تنتج بعد في فيلم جيمس بوند الشهير، وبسبب هذا السياق فإنه وبعد ثلاثة أسابيع من عرض الفيلم فقط تلقت الشركة أكثر من ٩٠٠٠ طلب للسيارة التي لم تكون جاهزة للبيع!

إن تجربه بي أم دبليو تؤكد آخر ما توصلت له بحوث التسويق الجديدة التي أكدت أن فعالية السياق الإعلاني كعنصر من المزيح التوريجي لا يضاهيه أي طريقة إعلانية أخرى، فمثلا الإعلان التليفزيوني المعتاد يؤدي تقريبا إلى ٥٪ زيادة في المبيعات بينما يؤثر السياق الإعلاني بنسبة عالية جدا على المبيعات تقارب ٣٠٪.

 

يتضح مما تقدم ذكره إن السياق الإعلاني احتل مرتبة كبيرة اليوم في صناعة الإعلان وهو بمثابة الفارس الرابح لعلماء وممارسي التسويق في العالم، وأصبح يأخذ حيزاً كبيراً من خططهم وميزانياتهم.

ومن المدهش أيضا أنه ساهم في انتاج ونجاح أفلام وبرامج تلفزيونية كبيرة وأصبح مطمعاً لكثير من منتجي هوليوود ففي السنوات الخمس الأخيرة استقبلت أفلام هوليوود ما يقارب ٣٥ مليار دولار في كل عام فقط عن طريق السياق الإعلاني.

فعلى سبيل المثال ما يقارب ٤٠٪ من تكلفة إنتاج فيلم جيمس بوند الأخير غُطيت عن طريق السياق الإعلاني. وعلى سيبل اللطافة فإن فيلم "الهدية المدهشة: أعظم فيلم بَيَعَ على الإطلاق" وهو فيلم وثائقي عن السياق الإعلاني غُطيت تكلفته بالكامل عن طريق السياق الإعلاني!

 

بالأمس كنت في الطيارة أُنقّح مقالتي هذه، بجانبي رجل عرفته بنفسي وفعل هو كذلك ـ مسؤول تسويق في إحدى الشركات المحلية الكبيرة، للأسف تبنى الفكرة التقليدية الخاطئة عن التسويق "التسويق هو الإعلان" وقال: "دفعنا مبالغ طائلة لكثير من مشاهير وسائل الاتصال الاجتماعي ليعملوا لنا إعلان على حساباتهم توقعنا أن تؤثر إيجابيا على مبيعاتنا ولكن للأسف مبيعاتنا لم تتأثر إطلاقا بل بالعكس ربما تأثرت سلبياً!".

قلت له ممكن أن تريني كيف أعلن المشاهير عن منتجاتكم فتح جواله وأراني بعض المقاطع. وضعت كرسيي على الوضعية المائلة الخاصة بالنوم قلت له "إعلان مكشوف" وأعطيته نسخة مقالي المنقح!

* رئيس قسم التسويق في جامعة الفيصل