EN
  • تاريخ النشر: 23 فبراير, 2015

وهم المجتمع المحافظ

يتحدث الكثيرون منا عن أننا مجتمع محافظ، ونصدق جميعا ما يتحدث به أولئك الكثيرون، والمحافظة ــ في حد ذاتها ــ ليست ميزة نتباهى بها، كما أنها ليست عيبا نتبرأ منه، ذلك أن من شأنها أن تكون ميزة حين تعني التمسك بما هو أصيل في تراثنا من القيم الإنساني.

(سعيد السريحي) يتحدث الكثيرون منا عن أننا مجتمع محافظ، ونصدق جميعا ما يتحدث به أولئك الكثيرون، والمحافظة ــ في حد ذاتها ــ ليست ميزة نتباهى بها، كما أنها ليست عيبا نتبرأ منه، ذلك أن من شأنها أن تكون ميزة حين تعني التمسك بما هو أصيل في تراثنا من القيم الإنسانية التي تحمي مجتمعنا من الانزلاق فيما انزلقت فيه أمم وشعوب أخرى تخلت عن قيمها واستغرقت في الاستسلام للمغريات التي انحرفت بها عن مكارم الخلق القويم، كما من شأن المحافظة أن تعد عيبا إذا تحولت ــ كما يريد لها بعض المتغنين بها ــ إلى أن تصبح حجابا بيننا وبين أمم سبقتنا إلى تحرير القيم الإنسانية من التقوقع داخل الظروف والسياقات التي تكونت فيها واتصلت بما هو جوهري في هذه القيم، فكان للحرية فيها معنى لا يمكن له أن يكون متعارضا مع القيم الأخلاقية، ولا يمكن له أن يكون منفصلا عما تقتضيه الحرية من استشعار للمسؤولية المترتبة عليها.

المحافظة ليست عيبا في حد ذاتها، كما أنها ليست ميزة، غير أن العيب كل العيب إنما هو الاستغراق في التسليم بهذه الدعوى، وكأنما تلك المحافظة أمر مسلم به ومفروغ منه دون التثبت من حقيقة ذلك أو تبين دلالات ما يمكن أن يتخفى وراءه من مزايا تلك المحافظة أو عيوبها.إن علينا أن نضع دعوى أننا مجتمع محافظ في سياقها من حياتنا العامة، وهذا ما يجعلنا نتساءل عما إذا كانت هذه المحافظة تتوافق مع ما تكشف عنه القنوات الفضائية المختلفة التي يتهافت شبابنا ــ ذكورا وإناثا ــ على الاتصال والتواصل مع كثير من برامجها المتهافتة، وهل هذه المحافظة تنسجم مع أننا أكثر شعوب الأرض حبا للسفر ورغبة في التعرف على العالم بما هو عليه من جمال وقبح، وهل من المحافظة أن تكشف الإحصائيات عن أن مواطنينا من أكثر مستخدمي شبكة الإنترنت بحثا عن المواقع المخلة بالآداب؟

والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، ومن شأنها أن تحملنا على مراجعة مفهوم المحافظة والغاية من وراء تسويقها كشعار مفرغ من مضمونه، ومن ثم تحويلها إلى أداة تغييب للحقيقة حينا، ومصادرة لحرية الاختيار حينا آخر.

المتحدثون عن أننا مجتمع محافظ هم الأعلى صوتا، وقد شغلتنا جلبتهم عن تبين حقيقة ما نحن عليه وعن معالجة ما يمكن أن ننتهي إليه والتحقق مما ينبغي علينا أن نحتفظ به وما يتوجب علينا تجاوزه.

(نقلاً من صحيفة عكاظ)