EN
  • تاريخ النشر: 04 فبراير, 2015

مخاتلة (تجربة أربعة أمراء: معنى الولاء والمهنية)

جاسر الجاسر - حلقة الصحافة والناس

حين كان تركي بن عبدالله (مع حفظ الألقاب) أميراً لمنطقة الرياض، أقام حفلة تكريمية لسلفه خالد بن بندر، أحيا فيها ممارسة جميلة، متمثلة في احتفاء خالد الفيصل بخلفه في إمارة مكة مشعل بن عبدالله واستقباله في المطار.

  • تاريخ النشر: 04 فبراير, 2015

مخاتلة (تجربة أربعة أمراء: معنى الولاء والمهنية)

(جاسر الجاسر) حين كان تركي بن عبدالله (مع حفظ الألقاب) أميراً لمنطقة الرياض، أقام حفلة تكريمية لسلفه خالد بن بندر، أحيا فيها ممارسة جميلة، متمثلة في احتفاء خالد الفيصل بخلفه في إمارة مكة مشعل بن عبدالله واستقباله في المطار. لا شك في أن الرائد في هذه المبادرات هو أمير عسير فيصل بن خالد حين احتفى في حفلة جماهيرية بسلفه خالد الفيصل. تركي مرة أخرى كان في استقبال خلفه فيصل بن بندر وحضر استقباله المهنئين. خالد بن بندر زار مقر الاستخبارات مهنئاً خلفه خالد الحميدان. رئيس الهيئات عبدالرحمن السند وقف بحزم ضد الشامتين بسلفه عبداللطيف آل الشيخ. ربما هناك حالات أخرى لكنها قليلة ونادرة. هذه الروح النبيلة والمهنية هي الولاء الحقيقي والإيمان الكامل بطبيعة تغير المناصب، والتقدير لمن أدى دوره وأكمل مهمته، فلا تكون مغادرته أشبه بالنبذ والنفي، ويبقى المكان جزءاً من تاريخه وتجربته، والعاملون فيه أصدقاء وزملاء.

الاستقبال والتوديع من سمات القطاع الخاص، والعرف هو الاحتفاء بالمغادر سواء أكان رئيساً أم متقاعداً أم زميلاً انتقل إلى مكان آخر، فلا تنقطع العلاقة، ولا يرى الموظفون حرجاً أو تهمة في الاتصال بزميلهم السابق والتواصل معه.

الوظائف القيادية في الحكومة ليست قدراً ولا إرثاً، ففي البلد كفاءات باهرة تبحث عن فرصتها للقيام بدورها

عاد خالد الفيصل إلى مكة وصالح آل الشيخ إلى وزارة الشؤون الإسلامية، برهاناً على أن الموقع قرار ولي الأمر ورؤيته في الموظف، وتقريره للمهمة الأكثر مناسبة ومنفعة ومصلحة للبلد، فهل سيجدان تبدلاً وتغيراً في مكانيهما السابقين؟ هما ليسا الحالتين الوحيدتين في هذا المجال، لكنهما الأحدث زمنياً، ولعل غازي القصيبي هو أكثر المسؤولين في السعودية حضوراً وبعداً، وتنقل في مناصب كثيرة ما بين وزارات عدة وسفارات، ما يبرهن أن استبدال ولي الأمر لموظفيه يقوم على حسابات المصلحة والمنفعة وتوقيتها وظروفها وأن إعفاء الموظف، أياً كانت درجته، لا يعني العداء والعقوبة إلا إن كان مداناً ومخالفاً القسم في الالتزام بشروط الوظيفة والإخلاص فيها، وأن صاحب القرار قد يرى أن الشخص لا ينفعه كلياً أو ربما يجده أكثر فاعلية في مكان آخر أو فترة ثانية.

لو أن المسؤولين انتهجوا هذا التواصل لسدوا الباب كلياً أمام حالات الشماتة والتأويلات المختلفة، ودعموا علاقة تواصل واحترام، وجرى نقل المعلومات والخطوات الجارية إلى المسؤول الجديد حتى لا يبدأ فترته من الصفر، وكأن المؤسسة لم يكن لها وجود قبله، وهو وضع يستنزف الطاقات ويسبب التداخل أو البطء على الأقل في الفترة الأولى.

هذا النوع من المبادرات أقرب إلى الضرورة والإلزام مهنياً، على الأقل، وهو مهمة المسؤول السابق الذي لا تنتهي مهمته الوظيفية وطنياً بخروجه، بل لا تكتمل دورتها إلا حين يضع المسؤول الجديد في المشهد كاملاً ويوفر له كل الوثائق اللازمة اختصاراً للوقت وتأكيداً لمعنى العمل واشتراطاته، ومساهمة في خلق أجواء مريحة خصوصاً للموظفين الذين تتوقف علاقتهم مع الإدارة العليا على الأداء وقدرتهم على التناغم مع الرؤية والقدرة على تنفيذ متطلباتها.

ما حدث من مبادرات مؤشرات جيدة المهم أن تكون تقليداً متبعاً، فالوظائف القيادية في الحكومة ليست قدراً ولا إرثاً، ففي البلد كفاءات باهرة تبحث عن فرصتها للقيام بدورها، وقد فتح الملك سلمان الباب واسعاً لها في أضخم تجربة للشباب والتحديث والتفعيل. حين يقرر ولي الأمر الاستغناء عن خدمة موظف فهو أمر طبيعي لأن فراسته في الرجال تكشف بصيرته في التعرف على الأكثر صلاحية ونفعاً، أما الموظف المغادر فإنه يبقى في طور الجاهزية والاستعداد، فقد تستدعي الحاجة الاستفادة من مهاراته، إن توافرت، والتاريخ الوظيفي شهد ويشهد مناقلات متعددة لطاقات برهنت كفاءتها العالية وجديتها وإخلاصها. الوظيفة القيادية عبارة عن سلسلة اختبارات مستمرة أصعبها وأنبلها تأتي لحظة الخروج والمغادرة.

(نقلاً عن "الحياة")