EN
  • تاريخ النشر: 04 مارس, 2015

لا تقربوا معرض الكتاب

معرض الكتاب

في المساء، ساعة عقدت العزم -بعد توكلي على الله- على أن أشد همتي لكتابة مقالتي الأسبوعية، وجدتني أمام موضوع طالما ترددت في الكتابة عنه؛ كي لا أتورط في لوثة جلد الذات، ولكن المناسبة الظرفية زجت بي عنوةً؛ لأقف على أطراف أصابعي.

(محمد المزيني) في المساء، ساعة عقدت العزم -بعد توكلي على الله- على أن أشد همتي لكتابة مقالتي الأسبوعية، وجدتني أمام موضوع طالما ترددت في الكتابة عنه؛ كي لا أتورط في لوثة جلد الذات، ولكن المناسبة الظرفية زجت بي عنوةً؛ لأقف على أطراف أصابعي وكأني أطل من ساتر خفي على ما يحدث قريباً من مرمى السمع والبصر، فتتعزز قناعتي بحقيقة صادمة ومؤذية بأننا أمة مصابة بفقر مدقع في التفكير والتحليل، وهو ما يعني عجزنا في ضبط حياتنا وفق قيم حضارية تتسع لمتغيرات الحياة وتبدلها.

الآن أستطيع أن أكرر هذا السؤال: بعد كل هذا لماذا نقتني الكتاب؟ فإن كان الجواب للقراءة، فلماذا كل هذا التخلف؟

معرض الرياض الدولي للكتاب هو المسؤول الأول عن تحريك هذه البحيرة الراكدة في داخلي، والسؤال الذي يباغتني بين الفينة والأخرى هو: أين تذهب أرتال الكتب المبتاعة من معرض الرياض الدولي للكتاب، تلك التي دفعت فيها الملايين؟

لا أخفيكم القول أنني استشعرت تعكراً طفيفاً طرأ على مزاجي، شرَّد رصيداً لا بأس به من عزيمتي في استكمال مقالتي، حتى تنامى الوقت من دون أن أحرز تقدماً يذكر، ظلت عيني ساهمةً على شاشة (اللابتوب) وأنا لا أزال رهين الحيرة والتردد، لأسقط أخيراً في جب الخيبة التي طالما حملتها بين جوانحي وأنا ألقي بثقل أفكاري على جسد الكلمات المسكينة، التي كان من حقها أن تصاغ في نص أجمل، فهل كان لهذا الموضوع الذي حشدت من أجله كل أفكاري علاقة مباشرة بهذا التغير المفاجئ على مزاجي أم أن هذه المناسبة أحالتني إلى واقعنا العربي المأزوم بهزيمته أمام قوى الظلام والتدمير التي استبدت بالمشهد الثقافي الحر وحجبت حرية التفكير بالقوة عن العقول؟ حتى بدا واقعنا مسكوناً بالخرافة، مشدوداً إلى أعمدة الجهل والتخلف؛ لتمسي حياتنا إلى الموت أقرب منها إلى الحياة، في حين كنا أمة افتتحت رسالتها بالقراءة؟

هذه الأفكار وغيرها أحرقت ذائقتي الكتابية، ويبَّست أصابعي التي أحجمت عن مداعبة لوحة مفاتيح (اللابتوبفلم أعد أسمع صوتها الأثير إلى نفسي -كعادتي- وأنا أنضد مقالتي، لقد تلاشت السكينة التي كنت أحتاج إليها، ورحلت ومعها رغبتي في الكتابة؛ ليس من عجز عن استجماع الأفكار وملاحقة الكلمات اللائقة بمضمونها، بل العكس صحيح، كانت الأفكار تنهمر كشلال بشكل مخيف، ما يكفي لتحبير صفحات محتقنة بالسواد، كنت حينها مترعاً بالاضطراب والقلق، وهذا ما أرعبني، ولاسيما حينما تنجرف الكلمات لتشكل فيضاً من المواعظ والخطب الملتبسة بالوصاية، والتحريض أحياناً.

يقولون تبكيتاً: (العرب لا يقرأونوهم يعلمون أن العرب كانوا من أمة تقرأ، هل أصبحت هذه تهمة أم سبة؟

كنت ساعة يباغتني هذا الشعور ألجأ إلى النوم، فهو ملاذي الأخير الذي سيحررني من زحمة هذه الأفكار الوعرة، إلا عند كتابة هذه المقالة حتى النوم بات بعيد المنال، لقد تداعت الأفكار الشيطانية الخبيثة، وكأنها تترصد لي كي تتلبسني، وتتحدث بصوتي؛ لتكشف ما كنت أواربه تجملاً ومسالمةً.

كان السؤال الخبيث الأول الذي امتعض منه قلبي هو: لماذا نقتني الكتاب ونحن أمة لا تقرأ؟ أهو تمظهر بالثقافة وادعاء حب المعرفة أم تمظهر بالثراء وقدرتنا على الشراء؟ هل نستطيع تفسير حماستنا في استقبال معرض الكتاب كحماستنا لاستقبال مهرجانات البيع والشراء المسبوقة بحملة دعائية تلك المصحوبة بالألعاب النارية؟ الرابح الوحيد فيه البائع والمسوق والمنظم، بينما الخسارة كلها يتكبدها جيب المشتري المدفوع بلا وعي أو إدراك بالدعاية الفجة التي حيكت له، لذلك نكتشف أن كثيراً من زوار معرض الكتاب لا يذهبون إليه من أجل تحقيق ثراء معرفي خاص، وليس لديهم قائمة رصينة بما تفتقر إليه عقولهم من معرفة وفكر حقيقيين، فليس ثمة مشكلة أو فجوة أو حتى أسئلة قلقة حول الحياة والكون تقتادهم إلى البحث عنها بين أروقة المعرض، ولا يعرفون دور النشر الرصينة التي لا تساوم على رسالتها المعرفية ولا تتنازل عن مستواها، والأخرى الهزيلة، التي تروج لإصداراتها كأي بضاعة استهلاكية بأساليب إغوائية منحطة، فقط من أجل تحصيل مكاسب مادية لا غير.

يقولون تبكيتاً: (العرب لا يقرأونوهم يعلمون أن العرب كانوا من أمة تقرأ، هل أصبحت هذه تهمة أم سبة؟ قد تكون الإثنتين معاً، واقعنا يتحدث بصوت عَلِيٍّ له دوي كحادثة انفجار عبوة ناسفة في مكان مجهول من المدينة، يصخ أذان الناس، مؤكداً أننا أمة كانت تقرأ وتكتب وتحفظ، ثم باتت لا تقرأ، لن أعوِّل كثيراً على الإحصاءات العالمية، التي كشفت لنا نسباً وأرقاماً متدنية مخجلة ومفزعة في آن واحد لمستوى القراءة في عالمنا العربي.

سأتحدث بصراحة عما كنت أتهرب من البوح به، كاشفاً معنى فقرنا المعرفي وضحالة وعينا بما تعنيه الثقافة ويجسِّده الفكر، أولها: أننا لا نبحث عن المعرفة وأصالتها المميزة لها، لذلك لا نبحث عن الكتاب إلا من أجل إشباع شهواتنا الشخصية التي تعزز قناعاتنا بأنفسنا، أو من أجل تكريس فكرة نؤمن بها تمكننا من الوقوف أمام خصومنا لمجالدتهم أو محاربتهم، بمعنى أننا قد لا نبحث إلا عن الكتب السوداء، التي تملأ تجاويف عقولنا بظلمة أخرى تحجب عن أعيننا رؤية الحقائق المحضة، من أول هذه الحقائق إرادة الإنسان الحرة، واحترامه على هذه الكينونة من دون إضافات، لذا لا نبحث عن الكتب التي تغوص في جوهر الإنسان وتستخرج من داخل تفاصيله الصغيرة الساحرة التي تجعل منه مقدساً وعظيماً يستحق التقدير والتبجيل؛ لأنه سر الله الأعظم، فلو كنا أمة تقرأ لارتفعت هذه القيمة، وأسقط التمايز بين البشر على أساسات واهية كاللون والجنس والعرق والطائفة، لو كنا أمة كتاب تقرأ لتجسد هذا بفصاحة ألسنتنا، وتأدبت لغة الحوار بيننا، وتبادلنا الاحترام، لو كنا أمة تقرأ لاستشعرنا قيمة الوقت ولما هرم الزمن داخلنا قبل أن تهرم أجسادنا، لو كنا أمة تقرأ لعرفنا كيف نصل إلى الله من دون أن نؤذي الآخرين وننصب أنفسنا أوصياء الله على خلقه، ونقتلهم باسمه -عز وجللو كنا أمة تقرأ لما قبعنا في ذيل الأمم الناهضة، ولتجاوزنا اكتفاءنا الذاتي مما نزرعه ونصنعه بأيدينا، لو كنا أمة تقرأ لأدركنا أن منبع الإلهام والحكمة الأزليين يتجليان بصورة كاملة في القرآن الكريم؛ لأنه كلام الله الذي لا يتصف إلا بالكمال في كل شيء، وسنبعده عن كل القسوة والوحشية والهمجية التي تنسب إليه ظلماً وعدواناً؛ بسبب فهمنا العقيم المتخلف له لنبدو إلى الشيطان أقرب، لو كنا نقرأ لتصالحت أنفسنا مع الوجود، ولاستمتعنا بمكونات الكون التي منحنا الله إياها بسخاء، ولشاركنا الأمم المتحضرة في عمارة الأرض، ولما وقفنا مسلوبي الإرادة ليس في إمكاننا سوى التغني بأمجادنا الغابرة، لو كنا أمة تقرأ لما وقع كل هذا الاحتراب بيننا، ولما تقاتلنا لأسباب مجهولة، لو كنا نقرأ لفرضنا إرادتنا على الأرض بأخلاق الإسلام الذي ندعيه، ولأصبحت خطواتنا ثابتة بما لا يسمح بتغلغل أي جسد غريب بيننا ناهيك عن احتلالنا وفرض إرادة الواقع بالقوة علينا.

الآن أستطيع أن أكرر هذا السؤال: بعد كل هذا لماذا نقتني الكتاب؟ فإن كان الجواب للقراءة، فلماذا كل هذا التخلف؟

فكروا معي.. لتكن إجابتكم حذرة. فإن لم تستطيعوا فلا تقربوا معرض الكتاب، يكفيكم ما بين أيديكم من كتب مكدسة طمرها الغبار من دون أن تمس. اقرأوها أولاً، ولتكن البداية من القرآن، أصلحوا ما اعوج من ألسنتكم في بيانه، وتفكروا بعقولكم في برهانه.

(نقلاً عن صحيفة الحياة)