EN
  • تاريخ النشر: 13 سبتمبر, 2012

هكذا يشعر اللاجئون بمعاناة اللاجئين.. هذا ما كتبت الفنانة أناهيد عن السوريين في مخيم الزعتري

لم أتوصل إلى آلة الزمن المعتمدة على (نسبيّة) أينشتاين ، بل هو مزيج بين الخيال والاستقراء والتجربة ما نقلني إلى 29 سنة بعد الآن ،هذا هو الزمان، أمّا المكان فهو "الزعتري" مخيم لجوء بعض السوريين في الأردن.

  • تاريخ النشر: 13 سبتمبر, 2012

هكذا يشعر اللاجئون بمعاناة اللاجئين.. هذا ما كتبت الفنانة أناهيد عن السوريين في مخيم الزعتري

لم أتوصل إلى آلة الزمن المعتمدة على (نسبيّة) أينشتاين ، بل هو مزيج بين الخيال والاستقراء والتجربة ما نقلني إلى 29 سنة بعد الآن ،هذا هو الزمان، أمّا المكان فهو "الزعتري" مخيم لجوء بعض السوريين في الأردن

هناك رأيت قماش الخيم يتحول طوباً، والغرف تلد غرفا أخرى، وبعضها يتحول إلى دكاكين، وبعضها الآخر إلى مدارس، ومن ثم مقابر وجوامع ومستوصفات.

رأيت أن الأعراس ستقام هناك ومثلها الجنائز، وسيتخلى أغلب قاطنيه عن أملهم بأن ينتهي المؤقت والآني والمرحلي وسيسأمون حالة الطوارئ

رأيت بعضهم يعلق لوحة على جدارٍ في غرفته بل إنه يعلنها غرفة للضيوف لأنه سيبدأ بتبادل زيارات المجاملة مع جيرانه.

وسيضيق صبر الرجال أمام طوابير الطعام والمساعدات الخيرية، وسيختارون الشراء من الدكاكين، وليحصلوا على المال يبتدعون مهناً ملائمة للمكان، والنساء بطبيعة الحال ستبتدعن سوق طلب.

سيصبح الرياضي في سوريا بناءاً في الزعتري، والرسام دهاناً أو خطاطاً للافتات الدكاكين والأديب معلما في المدرسة، وسيختلف الآباء مع بناتهم حول إرسالهن إليها.

ستخيط النساء ثيابا، وقبل العيد سيشتري أحدهم مكواة ويفتح مصبغة.

وسيكبر السوق، وسيصبح الأرخص في الأردن، وسيأتي إليه زبائن غرباء وربما تجار أيضا,

وسينتقل إليه لاجئون من مخيمات أتعس أو حتى من مناطق أردنية، وسيتحدث أحدهم عن ضرورة الحفاظ على الهوية السورية للمكان.

أيضا ستشتعل حروبٌ في بلدان أخرى وسيأمه لاجئون من جنسية مختلفة وسيتعالى عليهم بعض الأهالي، وسأتي يوما يحتمي فيه أردنيون من اجرام نظامهم وسيستقبلهم الأهالي بينما يتحدث بعضهم عن ضرورة تحييد المخيم.

وسثثكاثر البيوت وتتشكل الشوارع وستُسقط الأونوروا عنه صفة المخيم، وسترفض البلدية ضمه للمخطاطات التنظيمية، مع أنك في حينها لن تميز في هيئته ما يذكّر بحالة اللجوء إلى فيما تحمله ذاكرة ساكينيه ومشاعرهم وبعض الشعارات المحفورة على الجدران

وستحدث فيه ألف حكاية وحكاية .. قصة عن حب خرافي وأخرى عن نجاح مبهر أوجريمة بشعة أوأعجوبة ما

وربما سيختار مناضل ما أبعد عن سوريا أن يعيش فيه دونا عن أي مكان آخر كي لا يشعر بالانسلاخ عن أهله، وقد تلد زوجته طفلة هناك، وستحلم هذه الطفلة دوما بحياة مختلفة، وبعد عقدين ستطالب أبيها بنزق المراهقات أن تترك هذا المكان الذي يضيق بأحلامها، وستخرج منه وتبني حياة ربما تكون ناجحة، وستتقصد دائماً أن تذكر المخيم في حديثها مقلدة أولئك المشاهير الذين يتحدثون عن نشأتهم التعيسة، وستتحدث عن ألامها كلاجئة مع أن أقدامها لم تسر درب اللجوء من سوريا، ولم تجرحها الأسلاك الحدودية الشائكة، ولم يدميها الذل اليومي بانتظار المعونات.. فقد ولدت متجاوزة كل هذا الألم، ونابها ألم من نوع أخر، أشده رغبتها أن تعرف المكان المسجل في هويتها على أنه البلد الأصل، وعرقلات بأوراقها الرسمية وبعض الاحساس بالاقصاء.

ربما ستعود لزيارة المخيم يوما لتكتشف أنها فعلا تعشق هذا المكان، وأن فيه دفئاَ لم تذقه في مكان آخر، وستحدث أولادها عنه وهذه المرة بدون استعراض

وسترعبها فكرة تشكل أي مخيم لجوء في العالم، وتتمنى لو أن الأمور سارت بشكل آخر وأن الحق والعدل لم يُعطِيّا فرصة لأحد أن يكون السبب في أن يُتمّ السوريون أكثر من عامين في الزعتري، وأن يكون كل هذا مجرد تشاؤم مني، أنا فلسطينيةٌ ولدت في مخيم اليرموك بعد 29 سنة من قيامه على أرض دمشق، وبعد عشرين سنة طلبت من أبي أن نغادره وبعد تسعة أخريات أحبه كثيرا إلّا أنه يثقلني أن يذوق إنسان آخر ماعاشه أهل المخيم ولو أنه ليس بأكمله مرّ.