EN
  • تاريخ النشر: 02 ديسمبر, 2012

أم كلثوم وعبد الوهاب وحليم لم ينزعجوا من تقليدهم لماذا أثارت سخرية باسم يوسف غضب عماد أديب؟

عماد أديب وباسم يوسف

عماد أديب وباسم يوسف

هل أخطأ باسم يوسف في برنامجه "البرنامج" عندما قرر أن يسخر من قناة سي بي سي ووصفها بقناة الفلول ولم يسلم من سخريته عماد أديب وخيري رمضان وعادل حمودة ولميس الحديدي؟

  • تاريخ النشر: 02 ديسمبر, 2012

أم كلثوم وعبد الوهاب وحليم لم ينزعجوا من تقليدهم لماذا أثارت سخرية باسم يوسف غضب عماد أديب؟

هل أخطأ باسم يوسف في برنامجه "البرنامج" عندما قرر أن يسخر من قناة سي بي سي ووصفها بقناة الفلول ولم يسلم من سخريته عماد أديب وخيري رمضان وعادل حمودة ولميس الحديدي.. أتصورها لعبة ذكاء. البرنامج سوف يفتح النيران على كل القنوات المنافسة وعلى مذيعيها وحتى تُصبح له مصداقية يجب أن يبدأ بالسخرية من بيته وداخل قناته بل ومن نفسه وهذا هو ما فعله بالضبط باسم حيث لم يسلم باسم من لسان باسم.

فتح عماد النيران على باسم من خلال برنامجه "بهدوء" وفقد عماد تماماً هدوئه أثناء دفاعه وألغت قناة سي بس سي الحلقة الجمعة الماضية بعد أن قالت أن السخرية من رئيس الجمهورية محمد مرسي ممكنة ولكن السخرية من عماد مستحيلة!!

الحقيقة أن هذا الباب الخاص بالسخرية يستدعي أن نفتح الملف الشائك في حياة  الكبار والمشاهير ومدي تقبلهم للانتقاد. مثلاً دأبت نقابة الموسيقيين خلال السنوات العشر الأخيرة بإصدار هذا القرار الذي لاقى حفاوة بالغة من قطاع وافر في الرأي العام قبل أن يشيد به الموسيقيين لأنه يدعم اتجاه بات مؤثراً جداً في المجتمع يرى أن قوته تكمن في الإبقاء على ماضيه بلا أي إضافة وأن أي مساس بالقديم يدخل في إطار إهانة التراث حيث أصدرت النقابة قرارات ضد كل من تسول له نفسه ويفكر بإعادة تقديم أي من الأغنيات القديمة لأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وغيرهم وذلك حفاظاً على تراثنا الغنائي من التشويه وكان قد تردد أن هناك نية لدى عدد من المطربين والمطربات مثل ماريا اللبنانية وسعد الصغير لإعادة تقديم عدد من أغنيات أم كلثوم وعبد الحليم.. وينسجم هذا الموقف تماماً مع ما حدث تحت قبة البرلمان المصري عندما انفعل زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية السابق ضد محمد سعد في فيلم "اللمبي" قبل 10 سنوات وقال كيف يغني رائعة أم كلثوم "حب إيه" وكالعادة انضم له كل الأعضاء وقالوا "آمين" وأغلب الأقلام انحازت إلى رئيس الديوان الجمهوري.. أما الرقابة فلقد تراجعت عن موقفها الأول وحذفت الأغنية.. ومحمد سعد بعد أقل من عامين من هذه الواقعة حرص على أن تتضمن الأحداث في فيلم "عوكل" أغنية بصوت أم كلثوم وأخذ يشيد بها حتى يغفر له الجمهور ما فعله بها في "اللمبي".. وعلى الجانب الآخر فإن الرقابة نفخت كالعادة في الزبادي ومنعت أحمد حلمي من غناء مقطع لقصيدة الأطلال "هل رأي الحب سكارى مثلنا" ضمن فيلمه "صايع بحر"!!

المجتمع العربي يرحب بهذه القرارات المحافظة التي تبدو في ظاهرها الرحمة إلا أن باطنها العذاب.. وجه منها نراه وكأنه يحمي القيم الراسخة بينما الوجه الآخر نرى مجتمعاً فقد روحه الساخرة التي كانت عنواناً له!!

هذا المجتمع قبل نحو 50 عاماً لم يكن لا هو يضيق بمحمود شكوكو ولا هي أيضاً أقصد أم كلثوم تضيق به عندما غنى لها ساخراً من كلمات حب ايه اللي انت جاي تقول عليه  هو في ف الدنيا أحلى من "البوفيه" وكل أغانيها الأخرى مثل "أراك عصي الدمع" ، "ذكريات" ، "أنا لن أعود إليه" تحولت إلى مونولوجات ساخرة وغنى مرة أخرى ساخراً من قصيدة "لا تكذبي".. لا تكذبي إني رأيتكما معا كنت أحسبك ملوخية لكن طلعتي مسقعة، ولم نسمع أن شاعر "لا تكذبي" كامل الشناوي ولا ملحنها "محمد عبد الوهاب" ولا المطربة "نجاة" احتجوا.. لبلبة وسيد الملاح بل والملحن منير مراد كثيراً ما قدموا اسكتشات ساخرة من المطربين وكان منير مراد يبدأ عادة بتقليد طريقة أداء شقيقته ليلي مراد وبعدها يفتح مدفعية التقليد الثقيلة ضد كل المطربين الآخرين.

أما أحمد عدوية فلقد غنى لعبد الحليم "نار يا حبيبي نار فول بالزيت الحار" ورد عليه عبد الحليم حافظ وغنى له في إحدى الحفلات الخاصة "السح الدح امبوه ادي الواد لأبوه" بل إن عبد الحليم حافظ كان أول من سخر من التراث الغنائي عندما غنى قبل نصف قرن في فيلم "أيام وليالي" يا سيدي أمرك أمرك يا سيدي اشتملت الأغنية على تهكم ضد العديد من الأدوار والقصائد القديمة التي كانت ترددها أم كلثوم وعبد الوهاب وصالح عبد الحي وأيضاً لم يغضب أحد.. لا يتذكر الجمهور الآن مونولوج شهير اسمه "يا جارحة قلبي بقزازة لماذا الظلم ده لماذا"؟! هذا المونولوج غناه محمود شكوكو من تلحين "محمد عبد الوهاب" وكلمات "حسين السيد" قبل 70 عاما، وكلنا نتذكر تحية كاريوكا في فيلم "لعبة الست" وهي تغني" يا خارجة من باب الحمام وكل خد عليه خوخة" ولم يضج الناس بكلمات الأغنية التي كتبها "بديع خيري" ولحنها "محمود الشريف".. هل يعلم البعض أن الصحفي والزجال الراحل حسن إمام عمر كان يُسمع أم كلثوم زجلاً يسخر فيه من كل أغانيها العاطفية والوطنية والدينية يكتبه على نفس الوزن والقافية وكانت أم كلثوم تردده بعد ذلك لأصحابها في جلساتها الخاصة.. كان مجتمعاً قوياً يؤمن بروح الدعابة.. الآن أصبحنا نعيش في مجتمع "فقد ظله" عندما افتقد ومع سبق الإصرار والترصد "خفة ظله".. قدم صلاح أبو سيف فيلمه التراجيدي "ريا وسكينة" عام 1955 وبعد عام واحد قدم المخرج حماده عبد الوهاب فيلمه الكوميدي "إسماعيل يسن يقابل ريا وسكينة" وبنفس بطلتي الفيلم نجمة إبراهيم وزوزو حمدي الحكيم!!

في السينما الإيطالية يقدمون كاوبوى اسباجيتي يسخرون فيه من الكاوبوى الأمريكي وتقبل الأمريكان تلك السخرية الإيطالية اللاذعة رغم أن الكاوبوى يحمل رمزاً وطنياً أمريكيا.. أتمنى أن نعود إلى التسامح مع تلك المداعبات التي تدل على أن صحة مجتمعنا العربي لا تزال بخير وعافية طالما روحه الساخرة لا تزال منطلقة ومجلجلة!!

المقال يعبر عن رأى صاحبه