EN
  • تاريخ النشر: 22 أكتوبر, 2012

الموهبة وتاريخ انتهاء الصلاحية "أوليفييرا"104 عاماً معجزة سينمائية تألقت في مهرجان أبوظبي!!

مانويل أوليفييرا

مانويل أوليفييرا

في ختام مهرجان أبو ظبي حصل المخرج البرتغالي "مانويل أوليفييرا" 104 عاماً علي جائزة لجنة التحكيم الخاصة عن إخراجه للفيلم الذي يحمل رقم 54 في مشواره "جيبو والظل".هل هناك عمر افتراضي للموهبة؟

  • تاريخ النشر: 22 أكتوبر, 2012

الموهبة وتاريخ انتهاء الصلاحية "أوليفييرا"104 عاماً معجزة سينمائية تألقت في مهرجان أبوظبي!!

في ختام مهرجان أبو ظبي حصل المخرج البرتغالي الكبير قيمة وقامة وعمراً "مانويل أوليفييرا" 104 عاماً علي جائزة لجنة التحكيم الخاصة عن إخراجه للفيلم الذي يحمل رقم 54 في مشواره "جيبو والظل".

في تبرير اللجنة لمنحه الجائزة اعتبرت أن الفيلم إضافة سينمائية بما يحمله من حنين لعصر ما قبل الكهرباء وتشبثه بالحالة المسرحية.. الفيلم بطولة االفنانة الإيطالية الشهيرة "كلوديا كاردينالي" والفرنسية الكبيرة "جان مورو".

كنت شغوفا لرؤية الفيلم وذلك بعد مشاهدتي لفيلمه قبل الأخير الذي عرض منذ ثلاثة أعوام في مهرجان "كان" وعنوانه "حالة أنجليكا العجيبة".. و "مانويل" يكتب دائماً السيناريو وهو ما فعله أيضاً في فيلمه "جيبو والظل" المأخوذ عن مسرحية للكاتب البرتغالي "راؤول براندو".

الفيلم فقير جداً إلى حد الشُح في استخدامه للمفردات السينمائية في المونتاج وحركة الكاميرا وتعدد الأماكن والموسيقى والمؤثرات وكأنه يعيدنا إلى عصر ما قبل السينما.. قضية الفقر في بدايات القرن العشرين هي ما يتناوله هذا الفيلم ويلجأ "أوليفييرا" إلى استخدام المونولوج الطويل في التعبير وهو ما يحتاج إلى قامات تمثيلية سامقة مثل تلك التي شاهدناها في الفيلم.. ولكني أري أن لجنة الحكيم كان الأجدر بها أن تمنح المخرج جائزة خاصة  لتاريخه ولإصراره على أن يظل يتنفس سينما وحتى اللحظة الأخيرة ولكن لا أتصور أن الفيلم كما أشارت لجنة التحكيم يشكل إضافة سينمائية!!

إلا أن ما يثيره "أوليفييرا" يتجاوز الفيلم إلى سؤال هل هناك عمر افتراضي للموهبة..  تزهر.. تنضج.. تذبل.. ثم تموت وهو لا يزال على قيد الحياة.. نعم كما أن الإنسان له عمر فإن للموهبة فترة بقاء.. تتدخل عوامل كثيرة في زيادة مساحات زمن العطاء أو في تقليص هذا الزمن إلا أن قانون الطبيعة له دائماً قوة لا يستطيع أحد أن يتحداه أو يتجاوزه لكن التحايل عليه ممكن والاستثناء أيضاً ممكن.

محمد عبد الوهاب

كان الراحل "صلاح طاهر" 96 عاماً يتنفس فقط حتى أيامه الأخيرة أمام لوحاته فكان يذهب يومياً من مسكنه بالجيزة إلى مرسمه بالزمالك وظلت لديه دائماً ومضاته التي لا تخبو.. الموسيقار "محمد عبد الوهاب" 91 عاماً ظل يبدع ألحانه وهو ممسكاً بالعود ولم يمنعه حتى المرض الذي أقعده عن الحركة بسبب إصابة ساقه عندما تعثر أثناء المشي في منزله لكن أبداً لم يتوقف عن مطاردة الإلهام فلقد كان يحتفظ بالكثير من الجمل اللحنية التي سجلها على العود.. أيضاً كان لديه أوراقاً كتب عليها جملاً موسيقية.. لم يكن "عبد الوهاب" في الحقيقة يجيد صياغة النوتة بمعناها العلمي ولكن كانت له مفردات خاصة في الكتابة الموسيقية التي لا يعرفها أحد سوى "عبد الوهاب"..

"نجيب محفوظ" 95 عاماً عندما عجز عن أن يمسك بالقلم وضعف النظر والسمع استجار بالأحلام فأحالها إلى إبداع وظل حتى لحظاته الأخيرة متمتعاً بخفة ظله وقفشاته.. "أمينة رزق" 88 عاماً وهي في المستشفى طلبت من المخرج حتى لا يتعطل التصوير أن تصور مشاهدها في المسلسل الأخير الذي كانت تشارك في بطولته ليتم تعديل السيناريو وتصبح مريضة في المستشفى.. "عبد الوارث عسر" 87 عاماً لم يعتزل التمثيل ورحل أثناء تعاقده على فيلم جديد.

استمرار الفنان مرتبط بقدرته على التجدد مع الزمن وأن يهضم الحياة وذلك بأن يظل مستقبلاً لكل نبض مختلف أو تغير في السلوك أو الذوق ليس معنى ذلك أن يفقد شخصيته الإبداعية وهو يلاحق الإيقاع الجديد لكن عليه أن يدرك أن للزمن قانون آخر وهو ما يعني أن النغمة التي يتوحد عليها الناس تتغير.. النغمة ليست فقط في الموسيقى ولكن في أداء الممثل نغمة.. في الكلمة نغمة في أسلوب الإخراج نغمة وهكذا.

يعيش البعض فنياً من خلال تجدده.. نأخذ مثلاً بالموسيقار "محمد عبد الوهاب" كان يقول عنه الموسيقار "كمال الطويل" أنه مثل النشافة تجد فيه كل موسيقى الجيل التي قدمها ملحنين العصر الذي يعيش فيه ولهذا وهذه الإضافة من عندي وليست من كلمات الطويل تجد في موسيقاه كل معاصريه من "سيد درويش" حتى "بليغ حمدي".

صلاح أبو سيف

إبداع  الفنان يتأثر ولا شك سلباً بالزمن.. لو أنك راجعت آخر أفلام المخرج "صلاح أبو سيف" مثل "السيد كاف" أو "المواطن مصري" لن تجد فيها هذا السحر السينمائي الذي كنت تشاهده وتشعر به في أفلامه التي قدمها في الخمسينات وحتى منتصف الثمانينات مثل "شباب امرأة" ، "ريا وسكينة" ، "القاهرة 30" ، "الفتوة" ، "بداية ونهاية" ، "السقا مات".. الزمن خصم الكثير من إبداع مخرجنا الكبير.. آخر أغنيات "أحمد رامي" 90 عاماً التي غنتها له أم كلثوم "يا مسهرني" لا تستطيع أن تصمد طويلاً أمام أشعاره الغنائية التي رددتها له "أم كلثوم" من قبل مثل "رق الحبيب" ، "يا ظالمني" ، "هجرتك" وغيرها من الدُرر الغنائية.. إبداع "رامي" تضاءل بريقه ووهجه لكنه ظل يكتب حتى بعد رحيل "أم كلثوم"..

أم كلثوم

صوت "أم كلثوم "تأثر سلباً منذ نهاية الستينيات وتحديداً بعد "الأطلال" كانت هذه القصيدة التي رددتها عام 1966 هي أعلى قمة وصلت إليها مع الموسيقار "رياض السنباطي" والذي كان يرى أن على "أم كلثوم" أن تعلن اعتزالها بعد "الأطلال" وهو أيضاً كان سيعتزل التلحين لكن لا أم كلثوم فعلتها ولا السنباطي.. لحن بعدها السنباطي قصيدتين لأم كلثوم "من أجل عينيك عشقت الهوى" و"الثلاثية المقدسة" وكان يعد لها قصيدة "انتظار" والتي غنتها "سعاد محمد" بعد رحيل أم كلثوم وعاش بعدها 6 سنوات ظل يقدم لنا ألحاناً ليس لها بالطبع سحر "الأطلال" التي اعتبرتها أكثر من موسوعة عالمية أفضل أغنيات القرن العشرين في العالم كله إلا أن "السنباطي" لم يتوقف وحتى رحيله.

"كمال الشناوي" 90 عاماً كان يستعد لتنفيذ فيلم كتب له السيناريو باسم "سقوط حميدة" كما كان ينهي وضع بعض اللمسات علي معرض لعدد من اللوحات التشكيلية أنجزها على مدي حياته ولكن القدر لم يمهله لتصوير الفيلم أو افتتاح المعرض.

نعم الإبداع يتأثر سلباً مع مرور السنوات لكن الفنان لا يفقد كل أسلحته وتظل هناك أيضاً بعض لمحات باقية ولهذا على الفنان أن يشحذ دائماً طاقته للحفاظ هذه شذرات قادرة على أن تواجه عوامل الزمن القاسي الذي لم ولن يفلت منه مبدع على مدى التاريخ.. لا أوافق لجنة التحكيم في مهرجان أبو ظبي على ما أسبغته على "مانويل أوليفييرا" وفيلمه "جيبو والظل" من تمرد وتفرد فني خاص ولكن "مانويل" يظل في كل الأحوال معجزة سينمائية بل وإبداعية عصية علي التكرار!!

المفال يعبر عن وجهة نظر صاحبه