EN
  • تاريخ النشر: 24 فبراير, 2009

قصص عاطفية تبحث عن التكليل بالزواج شباب فلسطين يخرجون من أحزان غزة بالرومانسية التركية

سيكون بإمكان "ليلى ورجا".. و"مهند ونور".. و"لميس ويحيىوسائر أبطال المسلسلات التركية، أن يحفزوا رومانسية الشباب الفلسطيني من جديد، على رغم أن "لحظة الوداع" لخطيباتهم اللاتي وقع الاختيار عليهن كي يشاركهن "العمر" تجسّدت في الدقائق الدامية التي مرت خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.

سيكون بإمكان "ليلى ورجا".. و"مهند ونور".. و"لميس ويحيىوسائر أبطال المسلسلات التركية، أن يحفزوا رومانسية الشباب الفلسطيني من جديد، على رغم أن "لحظة الوداع" لخطيباتهم اللاتي وقع الاختيار عليهن كي يشاركهن "العمر" تجسّدت في الدقائق الدامية التي مرت خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.

ولأن "نور" سنوات المستقبل التي خططوها معا عبر "سنوات"، "ضاعت" في خضّم القصص المفجعة التي حدثت على مدى اثنين وعشرين يوما، فإن الحرب الإسرائيلية على غزة أخذت أشكالا درامية وآثارا موجعة بالنسبة للشبان والشابات المرتبطين، الذين ينتظرون على أحر من الجمر إتمام مراسم زفافهم، مستعينين بالرومانسية التركية.

نعم، هناك فتيات في عمر الورود فقدن فارس "الحصان الأبيضبسبب قذيفةٍ أو صاوخ.. وهناك من فقدوا أسرهم في مجازر جماعية؛ لتتمزق فرحة كان يتمنى العروسان أن يشاركهم فيها أحبتهم، أما في أحسن الأحوال فهناك عرسان أصبح أقصى أمنياتهم أن ينجحوا في تحديد موعدٍ للزفاف وسط حالة الحزن المستديمة والأجواء السياسية المتقلبّة التي يعيشها سكان قطاع غزة.

شأنها كشأن أغلب البلدان العربية، تابعت نسبة كبيرة من سكان القطاع حلقات الدراما التركية التي عرضتها مجموعة قنوات mbc، والتي نجحت في إضافة جو رومانسي وعاطفي كبير، سكن في مخيلة الشبان والشابات، وهو الأمر الذي رأى فيه الكثير من الخبراء أحد الأسباب الرئيسة لنجاح الدراما التركية وتغلبها على الدراما العربية.

مراسلة mbc.net التقت عينة من الشابات الفلسطينيات اللاتي دمرت الحرب "أحلامهن السعيدةالتي رسمنها مع "فرسانهنوقد بدأت حديثها مع شادية النمر -20عاما- التي استشهد خطيبها أيمن وإخوتها الثلاثة على مرأى من عينها، حيث بدت متماسكة رغما عنها وهي تروي قصتها التي كان للقدر حكاية معاكسة فيها، "بعد خطبةٍ دامت أربعة شهور كانت من أسعد أيام حياتي، حجزنا صالةً للأفراح في منتصف شهر مارس/آذار القادم، وفي يوم اندلاع الحرب في تاريخ 27-12 تصادفت زيارة خطيبي لبيتنا الكائن في حي الزيتون بمدينة غزة، حيث كان يريد الاتفاق معي على بعض التفاصيل، وعندما أراد العودة مرة أخرى إلى مكان إقامته في مدينة رفح، وقفتُ له بالمرصاد وأصررتُ على بقائه، خوفا من أن تنال منه إحدى الغارات الجوية، وبالفعل مكث معنا طيلة هذه الفترة إلى حين يوم الفراق.. إنه يوم الاجتياح البري في الرابع من يناير/كانون الثاني الماضي".

وتضيف شادية، وهي تحاول ألا تفر من عينيها دموع تحاصرها على الدوام، "كنا في ذلك الصباح نتناول الفطور على سطح المنزل، وإذا بصاروخ طائرة ينزل ليستشهد على الفور أيمن وإخوتي إبراهيم وعبد الكريم وسهير، بينما أنا كنت بعيدةً بعض الشيء عنهم، مما أدى إلى تعرضي لإصابة، ولكن خفت أن أذهب باتجاههم فأرى أشلاءهم مقطعة".

وتابعت، ولكن هذه المرة بصوتٍ واضح الأسى، "كم كانت الصدمة بأن أفقد خطيبي وإخوتي في لحظةٍ واحدة".

وتصف شادية علاقتها بأيمن، خاصة في الأيام الأخيرة، بأنها كانت كتعلق الطفلة بأبيها، فأينما ذهب تلحق به، حتى إنه قال لها في اليوم الأخير "يعني أنت إذا بقيتي جنبي مش راح أموت؟".

وتضيف "برغم أن هذه الحرب كفيلة بالانقضاض على جميع مظاهر الرومانسية، إلا أن علاقتنا ببعضنا توطدت في هذه الظروف الصعبة، أنا الآن لا يمكنني أن أنكر شعوري بأني أرى الدنيا سوادا، ولكني في ذات الوقت أشعر بأن أيمن وإخوتي لم يموتوا؛ بل هم سافروا وأنا سألحق بهم ذات يوم، لأن أرواحهم جميعا تحيط بي من كل مكان".

أكثر ما يسيطر على حياتها هو النوم الذي تحاول أن تهرب فيه من ذكرياتها... لقد كانت آخر كلمات يمكن أن تتفوه بها شادية "لا أحاول إطلاقا أن أقول يا ليتني لم أطلب منه البقاء معنا، لأن كلمة "يا ريت" ستعذبني وتعذب روحه، أنا سأحاول قدر الإمكان أن أفعل كل ما هو جميل من أجل أن أصل إلى المكان الذي يقيم فيه الآن أيمن".

صابرين موسى -19 عاما- فتاة فلسطينية أخرى شاءت الحرب أن تغتال فرحتها إلى الأبد.. فكأن توقيت حفلة خطوبة صابرين كان مدروسا، حيث أقامت أسرتها لها حفلة صغيرة في حيهم الصغير "الصبرة" في مدينة غزة قبل يومٍ واحد من اندلاع الحرب، لتكون تلك الفرحة هي الأخيرة في حياة عائلتها.

طائرة الإف 16 الإسرائيلية أبت إلا أن تقتل والدة صابرين، ووالدها وإخوتها وحيد وأحمد ومحمد، وأختها نور.... لتنجو صابرين وأختاها حنين وفتحية، وأخوها محمود.

بعد لحظات صمتٍ قاسية تقول -لـ"mbc"- "في تلك الليلة التي لن تمحى من ذاكرتي جاء خطيبي ضيفا عندنا، وبينما أمي وأبي وإخوتي كانوا يتناولون العشاء في باحة البيت والمذياع يلتصق بآذانهم كي يتابعوا أخبار القصف، سقط صاروخ في البيت.... لم أصدق نفسي... لقد كان من آخر توقعاتي أن يستهدفنا الاحتلال، فنحن أسرة بسيطة لا علاقة لها بأعمال المقاومة، نحن كغيرنا من آلاف المدنيين الذين قتلتهم إسرائيل دون ذنب".

استعادت صوتها مرةً أخرى كي تتابع "خرجت إلى الصالة فوجدتهم أشلاءً مقطعين، حملت أمي مع إخوتي، حيث كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة، رأيت مشهدا أقل ما يقال عنه إنه كان صادما".

تكمل باكية "رحلت أمي التي كنت أتمنى أن تلبسني الثوب الأبيض، وأن تجهز لي، رحلت باكرا، وأنا وإخوتي في أمس الحاجة لي.... رحلت وتركت أختيّ الصغيرتين أمانةً في عنقي، تماما كما رحل أبي الرجل البسيط الذي كان شغله الشاغل أن يوفر لنا لقمة العيش المتواضعة بالمال الحلال.... الذي تمنيت أن يسلمني إلى زوجي في ليلة زفافي... رحل إخوتي الذين وعدوني بأن يقيموا لي عرسا يفرح به الجميع، بأن يلبسوني الدنانير عقداً في عنقي".

وعن سؤالها عن تأثير هذه المجزرة التي أودت بحياة ستةٍ من عائلتها على حياتها كشابة تستعد لمرحلة الزواج، أجابت "لقد أصبحت حياتي مشتتة، أحاول أن أستعيد قوتي، ولكن المشهد الدامي سرعان ما يقفز في مخيلتي، لا أتصور عندما أتزوج ألا يكون هناك أهل لي أزورهم، لأن الفتاة مهما كبرت وأصبحت لها حياتها المستقلة فهي تبقى بحاجة دائمة إلى أسرتها التي ربتها وتعبت حتى تراها عروسا".

تتنهد صابرين بحرقة قائلة "أعزي نفسي بأنهم شهداء بإذن الله عند المولى عز وجل، وهذا مفخرة لنا، ولكني أتساءل كيف ستكون حياتي، بعد أن أصبحت العروس اليتيمة... أتمنى أن يعوضني خطيبي عن كل هذا الحرمان".

سامي عكيلة -27عاما- عقد قرانه على خطيبته منذ ثلاثة شهور، لم يعش خلالها أياما هانئة بمنظور "الخاطبين الجددحيث تخلل هذه المدة القصيرة حصار مشدد ثم حرب مروعة، وهو -حتى اللحظة- لم يفلح في تحديد موعدٍ مناسب للزفاف، بعد أن سبق له إلغاء موعدين متتاليين.

"لا عجبَ من أن المواعيد هي أول من يخونك في هذه المدينةبهذه العبارة قال سامي بابتسامةٍ راضية، مضيفا "من الطبيعي أن مشروع زواجي تأثر بالحرب بشكلٍ مباشر، فالموعد الأول تم تحديده في 23 يناير/كانون الثاني الماضي، أي أن الحرب كانت قد وضعت أوزارها قبل أيام قلائل، فلم يكن من المناسب أن أفرح بينما غيري ينتشل جثث أحبائه من تحت الأنقاض".

أما الموعد الثاني فكان في السادس من الشهر الجاري، ولكن أيضا تم تأجيله بسبب إغلاق المعابر؛ حيث كان من المقرر أن يسافر والده لتلقي العلاج، وها هو حدد موعدا ثالثا في آخر الشهر يتمنى أن تكون الظروف مناسبة لإتمام فرحته فيه.

وحول ما ألقته الحرب من ظلالِ قاتمة على من هم أمثاله من المقبلين على حياةٍ مصيرية قال سامي "عندما يبدأ مشروع خطبة ثم تتخلله حرب يذهب ضحيتها ألوف، سيترك ذلك أثرا أكيدا في نفس من سيبدأ حياةً جديدة تحتاج إلى أجواء هادئة، ومن جهة أخرى تحتاج هذه النفس إلى أناسٍ قلوبهم مستعدة لمشاركة الفرح، ولكن أحمد الله لأن عقيدتي الإيمانية قوية وإلا كنت بلا شك تعرضت للإحباط".

ويعتبر سامي أن فترة الحرب عكست أجواءً غريبة على علاقته بخطيبته، قائلا "من المفترض أن يجلس الخاطبون مع بعضهما كي يقتربا من بعضهما أكثر من النواحي الفكرية والوجدانية، وكي يتعرف كلُ منهما جيدا على شخصية الآخر، ولكن في الحرب كنت طوال الوقت أركز في حديثي معها على شىءٍ "لا تحزنوأعتقد أنني لو لم أكن أتجه بعلاقتنا نحو هذا المنحى لكان مصيرنا الفشل، لأن الأجواء كلها كانت في غاية السوء وكفيلة بأن يتهدد المشروع، ويصل إلى قناعات مجتمعية ليست صحيحة تتركز في أن الخطيبة أو الخطيبه "قدمه وِحش".

وبدا سعيدا وهو يضيف "أعرف شبابا متوسطي التدين بل ومنهم من يتحدث دوما بلهجةٍ محبطة، ولكن في هذه الحرب كانت لديهم سكينة غريبة نزلت في قلوبهم مع نزول أول صاروخٍ على غزة، وهذا انعكس على احتوائهم كما يجب لخطيباتهم وأُسرهم".

لمعرفة التأثير النفسي الذي تتركه الحرب في العلاقات العاطفية والرومانسية للشباب الفلسطيني، أوضح دكتور درداح الشاعر أستاذ علم النفس المساعد في جامعة الأقصى أن "منسوب الرومانسية بشكلٍ عام عند المرأة الفلسطينية منخفض؛ نظرا لطبيعة الثقافة العربية السائدة التي لا تسمح على سبيل المثال للمخطوبين بأن يتمتعوا بمستوى عال منها (أي الرومانسية).

وتابع قائلا -لموقع mbc.net- إن هذه إحدى المبررات التي تدفع إلى مشاهدة المسلسلات التركية على سبيل المثال، ولكن هذه المساحة القليلة من الرومانسية بالنسبة للشباب والفتيات الفلسطينيين تعتبر إيجابية، لأن هذا الأمر يساعد على أن يصبروا أكثر، بينما لو كانت العلاقات بين الأزواج أو الخاطبين تتسم بالحميمية فسيجعل الأمر أكثر تعقيدا في تخطي الألم".

وتابع الدكتور الشاعر قائلا "خبرة الفقد في حد ذاتها -بغض النظر عما إذا كانت ناتجة عن الحرب أو غيرها- تمثل خبرة مؤلمة، وهذه الخبرة يتفاوت تأثيرها من شخص لآخر، وهذا الاختلاف يعتمد على مدى قدرة الشخص على التحمل، وقوة إيمانه ونوع حادثة الوفاة، وتقييم حالات الفقد كما هو حاصل الآن، بأنه التقييم العام يعتبره فخرا واعتزازا وشرفا ودفاعا عن الوطن ما دامت شهادة في سبيل الله".

واعتبر أنه أمام ظاهرة الحرب إجمالا يكون هناك قدرة أكبر لدى المرء على الصبر، على رأسها أن هذه الحرب شاملة، مما يمنح إحساسا أقل بالمصاب بما أن الجميع متأثر، علاوة على أن الشخصية الفلسطينية من النمط الصلب، فما نراه عادةً من أن الخطيبة عندما تبلغ باستشهاد خطيبها أو زوجها تصبر وتحتسب، فيعود لإحساسها أن هذا الموت مشرف".

ويلفت الشاعر النظر إلى أن العقيدة الدينية هي أكبر داعم للشباب كافة لتحمل ابتلاء الفقدان، أو حتى عدم تمتعهم بالظروف المناسبة لأن يعيشوا فرحة عمرهم، مؤكدا أن من علامات الصحة النفسية للشعوب القدرة على التكيف، وتحمل الصعاب كما هي الحال بالنسبة للشعب الفلسطيني، لكن هذا لا يمنع من أن يحزن الإنسان ويعبر عن ألمه، لأنه في النهاية شأنُ إنساني لا يلغي قوة الإرادة.