EN
  • تاريخ النشر: 13 أكتوبر, 2011

الفن البسيط

غيرت خريطة الدراما التلفزيونية هذه السنة، وانقلبت رأساً على عقب، إذ لم يكن التغيير بسيطاً، بل ظهر منذ بدء التطورات الأخيرة في العالم العربي.

(سمر يزبك)  

غيرت خريطة الدراما التلفزيونية هذه السنة، وانقلبت رأساً على عقب، إذ لم يكن التغيير بسيطاً، بل ظهر منذ بدء التطورات الأخيرة في العالم العربي.

كان التلفزيون وما يبثه من برامج، ومسلسلات، الشغل الشاغل للمواطن العربي، فكل التقديرات كانت تشير إلى أن علاقة المشاهد بالفضائيات علاقة ملتبسة، تراوحت بين الجدية في متابعة الأخبار السياسية، ومتابعة البرامج الترفيهية والمسلية، إلا أنه ومنذ سنوات، وبعد أن أصبحت المسلسلات ملكة التلفزيون في الفضاء العربي، صارت توجهات رأس المال تلحق بها، ونشأت صناعة حقيقية ضخمة، وفرت كثيرا من فرص العمل تحت مسميات عدة، تلخصت في أسماء شركات إنتاج فني قامت بإنجاز مسلسلات ضخمة غيرت خريطة الدراما العربية.

ولعل الحالة السورية أكثر مثال ملموس يدل على التأثير الكبير الذي ألحقته الثورات في العالم العربي، بإنتاج وتصريف الدراما التلفزيونية، وذلك لأنها كانت بؤرة أساسية اعتمدت عليها أهم الفضائيات لبث مسلسلاتها.

كانت الدراما السورية التي بدأت بالبحث والنبش والنقد بعمق في أحوال الواقع السوري ومشكلاته، النافذة الأكثر إشراقاً في وجه القنوات الفضائية، فقبل أن تبدأ الدراما الخليجية منذ سنوات بالصعود والتشكل، كانت المسلسلات السورية الدعامة الأساسية التي قام عليها بث هذه القنوات، وبتمويل خليجي أيضاً.

النكوص الأساسي الذي عانته هذه الدراما، تمثل في شكل تعاطي الإعلام مع الشأن السوري والمتغيرات الحاصلة منذ سبعة شهور، فقد توقفت بعض الأعمال عن العرض، وقامت بعض الشركات بفض عقودها مع أحد المخرجين المهمين، وكانت نسبة عرض المسلسلات السورية هذه السنة في شهر رمضان الكريم، أقل نسبة مشاهدة، مقارنة بالسنوات السابقة، كما قاطع الجمهور العربي بعض نجوم هذه الدراما، بسبب مواقفهم السياسية من الانتفاضة السورية، في حين لمع نجوم من أجل مواقفهم المغايرة.

يجب ألا نتوقف عند ضرورة أن يكون الفنان صاحب موقف سياسي، فهناك قضايا بديهية لا تحتاج إلى الوقوف عندها، لأن الفن، حتى في أبسط أداء إنساني له، ينتصر للحياة ضد الموت، كما أن الفن في ماهيته البسيطة دعوة إلى الحياة، إذا لم يتم تدجينه لمصلحة مواقف عقائدية، لذلك لم تكن الدراما السورية مطالبة بأن تتخذ موقفاً سياسياً مما يحدث على الأرض السورية.. كان هناك حل بسيط لو استغنى عنه الكثير من نجومها وفنانيها لجنبوا أنفسهم وجنبوا هذه الثورة الوطنية الكثير من الأعباء، وهو الانحياز لما يريده الجمهور.. الجمهور هو الذي يصنع الفنان.

الجمهور هو عرش الفنان وليس العكس، فعندما يفقد الفنان جمهوره يفقد تاجه الملكي ببساطة.. ليس ذلك فحسب، بل سيكون التاريخ بالمرصاد له، وستذكر الأجيال من بعده وبكثير من الدقة هذه المواقف التي ستعلي من شأن الفنان، أو تسقط نجوميته.

الدراما السورية لم تكن فقط بضاعة للاستهلاك، ولا تحتاج فقط إلى الدعم المالي. فقد كانت تحتاج قبل أي شيء إلى تصفيق حاد من أكف البسطاء، وهم الجمهور العريض والأكثر انتشاراً من المحيط إلى الخليج.