EN
  • تاريخ النشر: 21 يناير, 2009

احترام المشاعر سر جاذبيتها الدراما التركية تفتح أبواب جهنم على المسلسلات العربية

الدراما التركية أثارت جدلا كبيرا في العالم العربي

الدراما التركية أثارت جدلا كبيرا في العالم العربي

كلما نجحت المسلسلات التركية وضعت مسلسلاتنا العربية -خاصة المصرية والسورية- في مأزق بوجهيه الإيجابي والسلبي، فالخوف من منافسة الجديد واصطياد السلبيات نظرة قاصرة، فالانغلاق وتجنب المقارنة والسخرية لن يحلوا المشكلة.

  • تاريخ النشر: 21 يناير, 2009

احترام المشاعر سر جاذبيتها الدراما التركية تفتح أبواب جهنم على المسلسلات العربية

كلما نجحت المسلسلات التركية وضعت مسلسلاتنا العربية -خاصة المصرية والسورية- في مأزق بوجهيه الإيجابي والسلبي، فالخوف من منافسة الجديد واصطياد السلبيات نظرة قاصرة، فالانغلاق وتجنب المقارنة والسخرية لن يحلوا المشكلة.

وطالما أثارت الدراما التركية الجدل في العالم العربي، خاصة مسلسل "نور" الذي عرضته قناة mbc، فهذا يعني ضرورة مناقشة أحوالنا قبل أحوال الغير، فالقنوات الفضائية لم تذهب إلى منازل العرب فردا فردا تستحلفهم بمجاملة الأعمال التركية، وإلا فقد أعذر من أنذر؟

يقول البعض إن أفكار الدراما التركية ليست جديدة، والمتخصصون يعرفون جيدا أن أفكار الفن قليلة، والعبرة في المعالجة وتنويعات الطرح، والسيطرة على إيقاع الحلقات والممثلين، والمنهج البصري.

من أهم أسباب نجاح المسلسلات التركية هي احترام المشاعر، وترسيخ إنسانية القضية دون الانهماك في تجريد الأفكار أو تسطيحها، وتحقيق فرجة بصرية جديدة تروي احتياجات المتفرج، وكفاءة الترويج السياحي لبلادهم من نسيج العمل الفني دون إقحام، ومنح المتلقي إحساسا بالحرية والأفضلية، والامتلاك الجزئي للعالم عبر التكنولوجيا.

وكلما بدت الدراما عادية تعتمد على التفاصيل اليومية للحياة بمصداقية وإقناع اقترب منها المشاهد، لشعوره أنها موجهة له كشريك إيجابي ولا تتعالى عليه.

كثيرا ما تتخوف النظم السياسية والاقتصادية والإعلامية من الجديد، حتى لا تتعرض مسلماتها الراسخة إلى الهزة وإعادة التقييم، مع أن ليس كل فن أجنبي سيء ولا كل فن عربي ممتاز، فالفيصل هو الاجتهاد والموهبة والتعامل بجدية مع العمل، وتوفير المناخ الاقتصادي الفني لظهور أعمال قوية متطورة.

نحن لسنا مع الدراما التركية بالتخصيص ولكن كنموذج للفن المؤثر، فما زالت العقلية العربية تعتمد على الأحكام المطلقة والتصنيفات المقولبة وثقافة الكم والزهو بالتاريخ، وإطلاق المقاييس العاطفية والألفاظ الضخمة، وتلجأ إلى قلقلة الأفراد من ناحية الثوابت الدينية بدافع الترهيب، إذا ما نفضت يدها من الكلمات العادية والأحكام الفنية.

أمر غريب أن يتهم البعض الدراما التركية أو أي فن بإثارة الفتنة؛ لأنها تتناول علاقات غير شرعية مثلا؟ فمنذ متى يقف استقبال العمل الفني على منبر أخلاقي، وإذا كان أهل الفن يخلطون بين الاستقبال الفني والاستقبال الأخلاقي للعمل الفني فماذا سنقول للجمهور العادي باختلاف ثقافاته ومرجعياته إذن؟

فإذا كانت الأمور تدار بهذه الطريقة السطحية الساخرة فلا نستبعد يوما اتهام أغنية أسمهان "ليالي الأنس في فيينا" بالدعوة لترويج الثقافة النمساوية والتقليل من شأن المجتمعات العربية؟

فهذه عودة صريحة بأيدينا إلى العصور المنغلقة دون أن نظلم الغرب هذه المرة، والمفارقة الغريبة أنه بقدر ما تتسم العقلية العربية بالبطء الشديد في التقبل أو التخلص من معتقدات أو فكر، بقدر ما تمتلك قدرا دفينا من التسامح المستنير الذي يرحب بالجديد لو صدقته.

لا بد من دفع ضريبة كل هذا الكم من قنوات الدش، بمنح الفرصة للمشاهد ليختار بحرية، دون أن نتهمه بالخيانة والسذاجة! فإذا أقبل المتلقي على مشاهدة عمل أكثر من غيره باستمرار فهذا يعني قصور السلعة المتراجعة.

تسببت الدراما السورية في يقظة الدراما المصرية من بعض غفوتها بسبب مبدأ التنافس، وظهرت مناقشات حول قوة السيناريو وموهبة المخرج، وسطوة شركة الإنتاج والمنتج المنفذ، والارتفاع الضخم في ميزانية العمل، القادم أساسا من الارتفاع الهائل لأجر النجم، والآن بدأ السوريون يقلقون ويناقشون أسباب نجاح المسلسلات التركية، وسيفعل الأتراك الشيء نفسه لو بدأت مسلسلات أجنبية تنجح في مجتمعهم.

إقبال المتلقي العربي والمصري خاصة على مشاهدة المسلسلات السورية مثل "باب الحارة" يعود لامتلاك الأخير أوراق سيناريو قوية ورؤية إخراجية وممثلين موهوبين، يناقش تفاصيل الحياة اليومية، مع القرب الطبيعي بين طبيعة وعقلية الموطنين السوري والمصري، وهذه هي الأسباب نفسها التي برروا بها بعض نجاح الدراما التركية.

وبدلا من محاولة الجانب المصري التغلب على المشاكل الإنتاجية وتكرار المعالجات، وتذليل البيروقراطية القاتلة، والإفراج عن أوراق المسلسلات المركونة في الأدراج سنوات، ومنح الفرص لمخرجين كبار أو صغار بعيدا عن المصالح، وجدوا الحل في ترويض الدراما السورية بمنطق تبادل الفنانين؛ وكفى الله المؤمنين شر القتال.

وعندما قلق السوريون على مكانتهم ومواردهم، اتجهوا أيضا للتعاون المشترك مع الأتراك، من المهم الاستفادة بالنتائج، لكن الأهم الاستفادة بالأسباب.

وإذا اقترح البعض منح الفرصة للممثلين الشباب المصريين الموهوبين، يتخوف منتجو الدولة قبل القطاع الخاص من التوزيع، وعندما ينجح سيت كوم مثل "تامر وشوقية" بطاقم عمل شبابي ينهالون عليهم بالطلبات ويحولونهم إلى نسخ ممن سبقوهم.. إن فتح المناقشات في هذا الموضوع سيفتح أبواب جهنم من كل اتجاه!

يقول البعض إن دبلجة الدراما التركية باللهجة السورية تقربها من الشعوب العربية، فماذا لو تم دبلجة مشهد واحد أو حلقة واحدة معادة باللهجة المصرية الأكثر شيوعا وقبولا؟ وماذا لو أذيعت حلقة واحدة معادة مترجمة بدون دوبلاج نهائيا؟ ربما وقتها سنستقبل موهبة الممثلين الأتراك وهوية مجتمعهم بشكل متكامل.

نحن ننادي بالاستفاقة وتحاور الثقافات وليس احتلال الثقافات، والتعامل بحذر مع الحرية كوسيلة وليس غاية، ومَن لا يؤمن أن الفن الجميل ليس له وطن عليه تمرير كل مشهد على مصلحة الجوازات أولا، ليتأكد من مدى وتاريخ صلاحيته للبلاد!