EN
  • تاريخ النشر: 03 يناير, 2011

لا يظهرون كشخصيات من لحم ودم الأقباط بالدراما.. عزلة وحساسية تزيد التوتر الطائفي

فيلم "حسن ومرقص" عالج العلاقة بين المسلمين والأقباط بحيادٍ درامي

فيلم "حسن ومرقص" عالج العلاقة بين المسلمين والأقباط بحيادٍ درامي

هل لعبت الدراما دورها في تقديم الشخصيات القبطية؟ أم أنها غابت عن الشاشتين الصغيرة والكبيرة، وهذا الغياب زاد أيضا من مساحة العزلة ودرجة الحساسية؟.

هل لعبت الدراما دورها في تقديم الشخصيات القبطية؟ أم أنها غابت عن الشاشتين الصغيرة والكبيرة، وهذا الغياب زاد أيضا من مساحة العزلة ودرجة الحساسية؟.

تعودنا في الدراما المصرية أن نضع أوراق "السوليفان" على الشخصية المسيحية.. الإحساس العام الذي يسيطر غالبا على صناع العمل الفني أن المتفرج لا يريد أن يرى شخصية من لحم ودم، وأنه فقط يقرأ عنوانها، لكنه لا يتعمق في تفاصيلها.

الحقيقة أن المعالجات الفنية التي اقتربت من العائلة المصرية القبطية لم تحظ أبدا بموافقة رسمية قبطية، ووجهت لها انتقادات مباشرة من الكنيسة "الأرثوذكسية" في مصر برغم أن المعالجة الفنية لم يكن الهدف منها الحديث عن الديانة بقدر ما هو تناول عائلة مصرية مسيحية؛ أي أن الأصل هو أنها مصرية بغض النظر عن الديانة.

أتذكر مثلا أن السنوات الأخيرة شهدت أكثر من غضبة عارمة بسبب أعمال فنية تعاملت بحساسية وهدوء مع العائلة القبطية، مثلا مسلسل "أوان الورد" 2001 الذي لعبت بطولته "سميحة أيوب" و"يسرا".

سر الغضب هو أن "سميحة" لعبت دور امرأة قبطية تزوجت مسلما، حتى إن كاتب المسلسل "وحيد حامد" اضطر إلى أن يضع على لسان الشخصية المحورية في المسلسل حوارا قبل نهاية الحلقات، وذلك في محاولة منه لامتصاص الغضب؛ حيث قالت "روز" وهي الشخصية التي أدتها "سميحة أيوب" إنها لو عادت بها الأيام فلن تتزوج مسلما، وذلك برغم أن المسلسل كان حريصا على التأكيد على أنها لم تتخل عن ديانتها المسيحية؛ إلا أن مساحة الغضب كانت أكبر مما توقع الجميع، ولم يقلص ذلك أن مخرج المسلسل "سمير سيف" مسيحي متدين.

مسلسل "بنت من شبرا" عرض بعدها بنحو ثلاث سنوات من بطولة "ليلى علوي" وأثار الغضب لأن البطلة أشهرت إسلامها، حتى إن التلفزيون المصري الرسمي بعد أن أعلن عن عرضه في رمضان تراجع قبل 24 ساعة فقط من بداية البث.

أما الفيلم الذي حظي بأكبر مساحة من الغضب، فهو "بحب السيما" عام 2004 إخراج "أسامة فوزي" وتأليف "هاني فوزي" وبطولة "ليلى علوي" و"محمود حميدةوكان أول فيلم يتناول عائلة مسيحية (الزوج والزوجة والابن) ولم يتحمل قطاع عريض من الأقباط ذلك، خاصة وأن الفيلم اتهم من قبل بعض المغالين بين "الأرثوذكس" بأنه يروج للمذهب "البروتستانتي".

الغريب أن الجمهور لم يُقبل على الفيلم؛ حيث شهدت الإيرادات تراجعا، وهو نفس ما حدث أيضا قبلها بعام مع فيلم عنوانه "فيلم هندي" 2003 يقدم علاقة بين صديقين مسلم ومسيحي لعب بطولته "أحمد آدم" و"صلاح عبد الله" وإخراج "منير راضي".

اكتشفنا في هذا الفيلم أن أغلب النجوم الذين رشحوا لأداء دور الشاب المسيحي الذي أداه بعد ذلك "صلاح عبد الله" اعتذروا بحجة أن الجمهور لن يقبل على الفيلم لأنه لم يتعود أن يرى شخصيات قبطية في دور البطولة.

الحقيقة هي أن المشاهد المصري وأيضا العربي تعود على رؤية الشخصيات المصرية في الأغلب مسلمة، وإذا قدمت شخصية قبطية فإنها غالبا إيجابية، وأيضا ثانوية مثلا "مرقص أفندي" في "أم العروسة" لعاطف سالم، عرض قبل نحو 45 عاما، هذا الدور الذي أداه "إسكندر منسي فهمي" كان عليه أن يتستر على "عماد حمدي" وينقذه من الفضيحة، حتى لا يعرف أحد أنه اختلس من الخزينة للإنفاق على فرح ابنته.

أكبر مساحة لشخصية محورية قبطية رأيناها في فيلم "حسن ومرقص" لرامي إمام 2008 التي أداها عادل إمام؛ حيث لعب دور "مرقص" أستاذ علم اللاهوت، وحرص عادل إمام على أن يلتقي "البابا شنودة" قبل الشروع في تصوير الفيلم.

السيناريو كتبه "يوسف معاطي" وقدم إطارا هندسيا صارما ليضمن الحياد الدرامي التام بين المسلمين والأقباط في كل المواقف، وتلك "السيمترية" أي التماثل الشديد في المواقف خصمت الكثير من قيمة الفيلم، وكأننا بصدد معادلة حسابية.

آخر فيلم قدمت فيه شخصيات مسيحية في دور البطولة هو "الخروج" لهشام عيسوي، وعرض في مهرجان "دبي" الأخير، ويقدم عائلة مسيحية وبطلة تقيم علاقة غير شرعية مع مسلم.. الفيلم لم يصرح بعرضه رسميا في مصر حتى الآن.

مأزق هذه الأفلام هو أن المتفرج لم يألف رؤية شخصيات قبطية تمارس أي قدر من الانحراف طوال تاريخ الدراما، ولهذا تنتقل الحساسية التي نراها في الشارع إلى دار العرض.

نكتشف مع الأسف أن بين المثقفين الأقباط هناك عدد منهم يرفض أن يرى شخصية قبطية منحرفة، ورغم ذلك فإن الحل لا يمكن أن يصبح هو المنع الرقابي، ولكن أن يألف الجمهور مشاهدة العمل الفني ولا يرى شخصيات تعبر عن أديان بقدر ما يراها تحمل هموم وأحلام وإحباطات عائلة مصرية.. نعم من الممكن أن تلعب الدراما دورا بشرط أن تتسع رؤية المجتمع بمسلميه وأقباطه وهو يرى شخصيات مسيحية تمارس الحياة بخيرها وشرها.

(*) ناقد فني، والمقال يعبر عن وجهة نظره الشخصية.

مشهد من فيلم "حسن ومرقص" لعمر الشريف وعادل إمام