EN
  • تاريخ النشر: 23 سبتمبر, 2011

إعلام "هييييييه"



 غبت فترة عن مصر سمحت لي أن أستريح من اللهاث اليومي في شوارع القاهرة طوال النهار، ثم الارتماء في أحضان التليفزيون وبرامجه على المحطات المختلفة حتى آخر الليل.
غبت فترة تسمح لي أن ألتقط أنفاسي من دوامة تأخذنا منذ شهور ليل نهار، والأهم أن البعد سمح لي برؤية بانورامية لمشهدنا الإعلامي الصاخب، وأرجو ألا تكون رؤية زاغ فيها البصر.
أتت ثورة يناير لتهدم نظام حكم وحياة طال بها الأمد على المصريين، وفى إطار هذا الهدم، كان يجب أن يتم هدم إعلام مكتوب ومرئي مرتبط بأبجديات فترة ماضية.
ولكن للأسف كما فعل العامة في الشوارع حين تصوروا أن الثورة مساوية لمشهد الطلبة في آخر أيام الدراسة بعد أن يخرج المدرس الغتت من الفصل فيصرخوا مجتمعين هيييييه.. ويلقوا بالكراريس في الهواء ثم يتجاوز البعض في تمزيقها، ويزيد بعضهم فيبدءون في تكسير الكراسي والسبورة وزجاج النوافذ أحيانا، متناسون أنهم في غمرة فرحتهم من الخلاص من الأستاذ الغتت وانتهاء العام الدراسي يخربون مدرستهم التي سيعودون إليها بعد أيام قليلة وعليهم أن يرمموها على نفقتهم.
فعل الإعلام مثل العامة فصرخوا "هييييه" وألقوا بكل كراريسهم، فكل الأخبار الهامة في الصحف صارت تنسب إلى مصدر مسؤول مجهول، وأغلب ما ينقل على أنه حقائق ماضية أو حاضرة هي من قبيل كلام المقاهي والمصاطب. أما الإعلام المرئي فقد حدث فيه انشطار نووى وبنفس معايير الإعلام المكتوب، كثرت المحطات الوليدة والبرامج الجديدة والوجوه والأصوات، واختلط الجد بالهزل، والنكتة بالحقيقة، والرأي بالتحريض والتعريض، والمشاهد تائه بين هذا وذاك.
ولكن في خضم كل هذا على أن أذكر رجلاً يقبع الآن في السجن منتظراً حكم القضاء اسمه أسامة الشيخ، لو منحه أهل الإعلام حقه لقالوا إنه مسؤول كعقل عن أكثر الجوانب الإيجابية في إعلام ما بعد الثورة، أما سلبياته فهى مسؤولية القائمين عليه الآن.
فكل المحطات الوليدة وغير الوليدة قامت على خرائط برامجية وشكل قدمه أسامة الشيخ منذ تولى قناة "إيه آر تى" مروراً بـ"دريم" و"الراىثم أخيراً القنوات المتخصصة، فمحطات كاملة قائمة على بعض من فائض ما قدمه الرجل، وكل الوجوه التى نشاهدها الآن على مختلف الشاشات دون استثناء هى من دفع بها أسامة الشيخ أمام الكاميرات، أو كان في طريقه أن يفعل ذلك، وكل البرامج هى استنساخ متكرر من أفكار قدمها الرجل أو تحمس لها، أحببناها أو كرهناها، ولكن للحق فهى مسؤولية أسامة الشيخ.. الرجل في انتظار حكم القضاء وبغض النظر عن النتيجة فلا بد من منحه حقه الآن، ولو أنكره عليه إعلام تلاميذ هيييييه.
 
نقلا عن صحيفة "اليوم السابع"