EN
  • تاريخ النشر: 23 سبتمبر, 2011

إبراهيم يسري


من بين المزايا الكثيرة المدهشة التي يتميز بها مسلسل أنعام محمد علي (رجل من هذا الزمان) يتبوأ أداء إبراهيم يسري لشخصية طه حسين مركزا مرموقا. لقد كان لي الحظ الكبير في أن أقابل -وأنا لازلت في الجامعة- الدكتور طه حسين إبان زيارته لدمشق لإلقاء محاضرة أدبية.. ثم جمعني به لقاء صغير.. أراده وطلبه هو مع مجموعة من طلاب وأساتذة الجامعة.. ولازلت حتى اليوم ورغم تباعد السنين أذكر هذين اللقاءين وكأنهما جريا البارحة.
أدهشني وفتنني منه.. هذه المشية الشامخة المليئة بالكبرياء.. وهذا النور المشتعل بنار خاصة الذي يطل من عينيه.. ورغم النظارة السوداء التي تخفيهما وهذا الصوت العذب الرائق الذي تختلط فيه كلمة المعلم برقة الإنسان وحنو الأب.. غمرني هذا الكبرياء وهذه الثقة الهائلة المتدفقة من كيانه كله.. وهذا البحر الصاخب من الكلمات الحارة والموحية التي تتدفق من بين شفاهه.
كان يجلس بيننا (شمس) حقيقية، تبث النور والحياة والأمل وتدفعنا إلى الثقة بقدرة الإنسان علي أن يصل إلى أعلي مراتب الإنسانية والتي تقترب من القداسة أحيانا.. عناد متكبر تدعمه ثقافة راسخة، وإيمان بالنفس يدعمه إيمان بقدرة الإنسان وعطاءه.. وحبال من ذهب يرميها من حوله لتوقع كل من يراه ويسحق في شباكه كل هذه الصفات.. رأيتها مجددا في أداء إبراهيم يسري لشخصية (طه حسين) في مسلسل (مشرفة) مما أدهشني وجعلني لا أصدق عيني.
كان قد سبق لي أن شهدت وأعجبت بأداء محمود ياسين الشاعري في (قاهر الظلام) وأداء أحمد زكي المثير في مسلسل (الأيام) ولكنني أمام أداء إبراهيم يسري هذه المرة.. أجد نفسي أمام أمر آخر وحقيقة أخري.
لقد دخل إبراهيم إلى أعماق الشخصية.. وتسللت إلى دمائه قطرة قطرة، وشاعت في تفاصيل جسده وحركته وطريقة نطقه، وأسلوب مشيته. لقد استطاع بعفوية وصدق.. أن يعيد طه حسين للحياة.. ليجعله يحيا بيننا.. يتكلم ويشع ويتأمل ويناقش ويثور.
أراه وهو يستمع إلى عبد الوهاب.. منتشيا.. وكأنه فتي في الخامسة والعشرين من عمره.. وأراه يواجه السلطة بقوة وشموخ، وكأنه عملاق تجاوز السنين والتجارب.. أراه يلعب بأوتار صوته وكأنها أوتار قيثارة سحرية تجذبنا إليه.. ثم تطير بنا إلى سموات زرقاء لا نهاية لها. إنه يسير في (أرجاء) المسلسل كأنه.. ملكا متوجا.. تتساقط من خطواته آلاف النجوم.
لقد عرفت إبراهيم يسري قبل طه حسين.. ممثلا رائعا يستحق الاحترام والتبجيل.. ولكنني أمام أدائه لشخصية طه حسين.. أراه (عملاقا) خرج من قمقمه.. علي يد ساحرة كبيرة (أنعام محمد علي) عرفت كيف تفك إطاره.. وتطلقه شهابا عاليا في سماء الفن المصري.
 

نقلا عن مجلة "أخبار النجوم"