EN
  • تاريخ النشر: 06 أكتوبر, 2011

سامحوني.. الحياة لم تعد تحتمل!


حياة المغنية داليدا مليئة بالنجاح على المستوى الغنائي ولكن حياتها كانت مليئة على المستوى الشخصي

 

 

 أكثر وجه يطالعني وأنا في باريس، هو وجه المغنية المصرية الإيطالية الأصل داليدا.. أفكر فيها، وأنا أجوب شوارع المدينة الساحرة، أعود إلى الأيام الماضية، وأتماهى مع خوف هذه الفتاة التي تركت مصر يوماً، وجاءت لتبحث عن الحلم في مدينة النور، رغم أن مدينة النور سنة 1954 لم تعد نفسها المدينة الآن.

أكثر ما يجعلني أفكر هو كيف تبدأ أحلام البشر من نقطة الصفر، حيث يكون من الممكن رهنها بشجاعة الإنسان، وثباته لتحقيق حلمه.

عندما تركت داليدا مصر، وقررت أن تصير مغنية وممثلة في باريس، خلفت وراءها عائلة في القاهرة، وهي ابنة العائلة المصرية ذات الأصل الإيطالي المحافظ، والتي استقرت في شبرا في بداية القرن الماضي. حاولت قبل سفرها إلى باريس أن تدخل التمثيل، ولكنها فشلت وبقيت موظفة على آلة الطباعة، كان لها عمة، ممثلة شهيرة في ايطاليا، هي Eleanor Duse، التي كانت وفاتها في العام 1924 (كانت الوحي لستانيسلافسكي الذي استلهم منه مبادئ مدرسته الشهيرة في التمثيل إذ كان يمضي ساعات يشاهد أداءها ومنه يستقي المبادئوصارت داليدا تعتقد أنها ستكون مثل عمتها ممثلة ونجمة.

في سنة 1954 فازت بلقب ملكة جمال مصر، وكان هذا الخبر المفرح الذي جعل حياتها تتغير.

كانت تريد أن تغني، أن ترى مدناً جديدة وحياة مختلفة، فمضت في طريقها إلى باريس، ونزلت في فندق صغير في منطقة الشانزليزيه، حاولت أن تغني وتتعرف إلى مفاتيح المدينة السحرية، ولكن اتضح أن الرجل الذي وعدها بالمساعدة لا يملك الخبرات والمعارف التي حدثها عنها، لكنها لم تيأس ووجدت فرصة لتغني في أحد المطاعم الليلية، ونصحها من حولها بتغيير اسمها، كان اسمها في الأصل يولاند لكنها قامت بتغييره إلى دليلة لكن في باريس غيرته للمرة الأخيرة وأصبح داليدا ثم بدأت رحلتها مع حياة الغناء والأضواء، والعذاب أيضاً!

كانت حياة داليدا تنتقل من نجاح إلى نجاح على الصعيد المهني، وكان صوتها الرخيم وحضورها المؤثر يجعلان منها نجمة شهيرة في عالم الغناء، بعد أن غنت بتسع لغات، وجابت العالم تغني وتنتقل من بلد إلى آخر.

لكن حياتها الشخصية كانت تنتقل من تعاسة إلى آخرى، كانت داليدا على علاقة يائسة مع الحب، تزوجت مرة، ووقعت في الحب مرات، وانتحر رجال كانوا على علاقة بها.

عندما ماتت سنة 1987 إثر جرعة زائدة من الحبوب المهدئة كتبت جملة: «سامحوني الحياة لم تعد تحتمل».

انتهت حياة داليدا بالكثير من النجاحات التي تبدو في الظاهر أنها سلسلة متواصلة من الفرح، لكن علاقة السلطة والنجاح بالتعاسة أمر معقد وملتبس، تحديداً النساء اللواتي أتين من بيئة اجتماعية مختلفة، وتركن وراءهن حياة كاملة، ليصنعن حياة من نقطة الصفر.

أذكر داليدا كثيراً هذه الأيام، وأفكر أن الحياة لن تقدم لنا الوجه الذي نحب، وأكثر ما أعرفه أن الاحتمال هو أمر شجاع، فقط احتمال العيش!

 نقلا عن مجلة المرأة اليوم