EN
  • تاريخ النشر: 29 ديسمبر, 2011

الفنون تتحدى الزمن

الكاتب السعودي أحمد الواصل

أحمد الواصل

يقف ابن خلدون عند حدود اعتبار الفنون مواد ترفيهية بينما ينحو ارتباطها غريزياً بالإنسان ما يتجاوز حالة الترفيه

(أحمد الواصل)     تبقى الملتقيات هي فرص تذكُّر الوجوه التي نحب أن نعرف أخبارها.

وحيث قد بدأ ملتقى المثقفين السعوديين الثاني منذ يوم الإثنين الأول من صفر – 25 ديسمبر/كانون الأول، فهو فرصة لتقديم مشاريع مستقبلية تخدم الثقافة من فنون وآداب والمعرفة والعمل الثقافي..

وبدوري ستكون المشاركة على مستوى ما تعني لي الثقافة بوصفها أحد جناحي الحضارة لأي وطن، في ورقة تعتمد على توصيف أحد حقول إنتاج الثقافة، وهو فن الغناء، من خلال مكونات ونواح علمية وعملية للتعامل مع التراث الفني أو فنون الأداء في مرحلة التوارث والشفوية والتكرار، والأغنية السعودية في منتصف القرن العشرين حتى القرن الواحد والعشرين، وهي تعيش مرحلة النقل والتداول والعرض والتنوع أو غلبة النموذج.

وهي تصف بشكل منهجي مكونات إنتاج فن الغناء الأساسية والفرعية، فالأساسية تتصل بشكل مباشر بالعناصر المكونة للعمل الغنائي من خلال خطين متوازيين أحدهما يعنى بالعملية الفنية بوصفها حدثاً فنياً وهو على نحو إنتاجي، والآخر يعنى بها بوصف ما يصاحب الحدث على نحو يعيد الإنتاج بمواد مختلفة، ومنها ما هو فرعي ومكمل لها.

وتنتقل إلى وصف أبرز المزايا الجغرافية والسياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية باعتبارها المؤثرات التاريخية في الحدث الفني حيث يمكن أن نعتمد -مع الشك- على المقولة التاريخانية لابن خلدون (1332-1406) المنظرة للتناسب الطردي لارتباط ازدهار الفنون تبعاً لازدهار العمران، فيقول:"وهذه الصناعة آخر ما يحصل في العمران من الصنائع لأنها كمالية في غير وظيفة من الوظائف، إلا وظيفة الفراغ والفرح. وهي أول ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه".

يقف ابن خلدون عند حدود اعتبار الفنون مواد ترفيهية بينما ينحو ارتباطها غريزياً بالإنسان ما يتجاوز حالة الترفيه حيث اكتشف مؤخراً وجود آلة الناي ، وهي الآلة الموسيقية الأولى، مصنوعة من عظام الطيور " في مغارة هولي فلس في جبال غورا الألمانية. وآلات الناي التي عُثر عليها أقدم بنحو خمسة آلاف عام عن أي نماذج أثرية مؤكدة سابقة لآلات موسيقية [ فقد ] توصل العلماء إلى أن النايات هذه تعود إلى ما بين 31 ألف سنة وأربعين ألف سنة، إلا أن تقنيات حديثة أخرى سمحت بتحديد عمرها بحوالي 36 ألف سنةوهذا الاكتشاف يؤكد ترابطا بين الإنسان والموسيقى ما قبل الحضارات أو العمران باللغة الخلدونية ، ويؤدي إلى أن وظيفة الفنون أبعد من مسألة الترفيه والتسلية كما يفهم دائماً بل إن الموسيقى جزء غريزي يرافق الإنسان في مراحل حياته.

حيث عرف أن الأداء الصوتي ، وهو صورة الموسيقى والغناء الأولية، وجد عند الإنسان في حضاراته الأولى ( العصر الحجري) وقبل اختراع اللغة واستعمالها. إذ اعتمد على جهاز النطق وإصدار الأصوات بغير ما يلبي نظرية المحاكاة-. إذ كان "الصوت الإنساني قادراً لنقل معلومات، وأوامر ورغبات، وكذلك لإثارة عالم خيالي، بنبراته الحادة وبتجديداته الصوتية".

ومن وصف المؤثرات التاريخية على فن الغناء سوف تَخْلُص إلى توصيف مراحل الغناء السعودي، والتطلع إلى استراتيجية جعل الذاكرة الحضارية مستمرة للأجيال في المستقبل.

(*) نقلاً عن صحيفة الرياض السعودية