EN
  • تاريخ النشر: 21 فبراير, 2011

فيلم يروي معاناة رهيبة لمتسلق جبال "127 ساعة".. البطل يقطع ذراعه ليولد من جديد

127 ساعة فيلم حول حساب النفس وقت الأزمات

127 ساعة فيلم حول حساب النفس وقت الأزمات

منذ فوزه بجائزة الأوسكار لأحسن إخراج عن فيلم "المليونير المتشردوالكل ينتظر الفيلم الجديد للمخرج البريطاني الكبير داني بويل، الذي جاء يحمل اسم "127 ساعة" أي خمسة أيام وسبع ساعات، وهي الفترة التي يقضيها بطل الفيلم أرون روستن محتجزا في خندق جبلي بالصحراء الأمريكية، نتيجة انزلاق صخرة ضخمة حشرت يده خلفها طوال هذه المدة.

منذ فوزه بجائزة الأوسكار لأحسن إخراج عن فيلم "المليونير المتشردوالكل ينتظر الفيلم الجديد للمخرج البريطاني الكبير داني بويل، الذي جاء يحمل اسم "127 ساعة" أي خمسة أيام وسبع ساعات، وهي الفترة التي يقضيها بطل الفيلم أرون روستن محتجزا في خندق جبلي بالصحراء الأمريكية، نتيجة انزلاق صخرة ضخمة حشرت يده خلفها طوال هذه المدة.

يعود بويل بهذا الفيلم ليخوض غمار المنافسة على الأوسكار، بعد أن جاب فيلمه المهرجانات الدولية شرقا وغربا طوال عام كامل؛ حيث رشح الفيلم لست جوائز أوسكار، منها أحسن موسيقى للموسيقار الهندي أيه.أر.رحمن صاحب موسيقى المليونير المتشرد، وأحسن مونتاج وأحسن أغنية وسيناريو مقتبس، وأحسن ممثل وبالطبع أحسن فيلم.

الاسم الأصلي للكتاب المأخوذ عنه الفيلم هو "ما بين الصخرة والمكان الصعبوهو أشبه بتوثيق لتجربة أرون روستن الشاب الأمريكي، الذي اعتاد أن يخرج إلى الصحراء ليتسلق الجبال ويجوب الوديان، ولكنه نتيجة للحركة المستمرة لكل صخور المنطقة، بالإضافة إلى رعونته الشديدة، فإنه يحتجز خلف صخرة ضخمة لمدة خمسة أيام، دون أن يعلم أحد مكانه، ودون أن تكون هناك أية فرصة لنجاته سوى أن يقوم بقطع ذراعه لكي ينجو ببقية جسده وحياته كلها.

هذه التجربة الرهيبة التي تعتمد على انفعالات ومشاعر داخلية للشخصية الرئيسية، والوحيدة تقريبا في الفيلم، هي من أصعب المواد الأدبية التي يمكن تحويلها إلى صورة سينمائية، ومن هنا ترشح الفيلم إلى جائزة أحسن سيناريو، الذي كتبه بويل بنفسه بمشاركة سيمون بويفيو، الذي كتب معه من قبل سيناريو المليونير المتشرد.

واستطاع السيناريو -بالإضافة إلى الإخراج- التعبير بشكل مؤثر عن روح التجربة بأكملها، والخروج بها من إطار كونها تجربة شخصية إلى حالة عامة، فما بين الصخرة التي يحتجز خلفها بطلنا والمكان الصعب الذي هو"نفسه" تدور فيه الأحداث.

إنها تجربة عن محاسبة النفس سواء من خلال الذكريات والمواقف الحياتية السابقة، او من خلال أحلام اليقظة والأمنيات، التي ربما تحقق أو لا تتحقق، فأرون يكتشف أنه اعتاد السفر والخروج إلى الصحراء، دون أن يبلغ أحدا بمكانه وكأنه يعيش بمفره في هذه الحياة، كما أنه يثق في القدر ولا يحسب حساب الخطوة المقبلة.

كان أرون قبل هذه التجربة نموذجا للإنسان الذي لا يحكم عقله، وإنما يسير بشكل غريزي عفوي، دون منطق محدد أو استنادا إلى خبرات مسبقة.

وعلى الرغم من أنه يقول للفتاتين اللتين يلتقي بهما في الصحراء قبل تعرضه للحادث أن كل شيء على الأرض يتحرك طوال الوقت، حتى الصخور والجبال، إلا أنه لا يكترث هو نفسه لذلك، ما يوقعه في أسوء تجاربه الحياتية وأقساها على الإطلاق.

استخدم بويل أسلوبا إخراجيا يعتمد على تلك الجملة التي تقولها شخصية أرون في بداية الفيلم، وهي أن كل شيء في حركة دائمة؛ حيث بدت حركة الكاميرا وزوايا التصوير كلها مرتبطة بالأشياء وعناصر الطبيعة من حول أرون، وكأن الكاميرا مثبتة على الحبال التي يحاول أن يجذب بها الصخرة؛ ليحرر يده أو فوق النمل الجبلي الذي يسعى من حوله، أو حتى داخل الرياح التي تعبر الخندق الصخري المحتجز في شق منه، أو قطرت البول الذي يشربه بعد نفاذ الماء منه.

إنها زوايا وحركات غير تقليدية على الإطلاق، وتعتبر تطور للأسلوب الحر في التصوير الذي اتبعه في فيلمه السابق، ولكننا هذه المرة أمام منطق بصري مختلف، يتسق فيه الشكل الإخراجي مع المضمون الدرامي.

فأرون بعد هذه التجربة كأنه يولد من جديد، والشق الجبلي كأنه فتحة الرحم التي يخرج منها وليدا للحياة، والذراع الذي قطعه أشبه بالحبل السري الذي يربطه بجدار الرحم، ومشهد قطع الذراع على عكس ما يتصور البعض ليس هو ذروة الفيلم، على الرغم من كونه أقوى مشاهده إخراجا وتصويرا وأداء من الممثل الشاب جيمس فرانكو.

هذه القوة هي ما تتسبب في حالات الإغماء التي تنتاب بعض المشاهدين أثناء عرض الفيلم، خصوصا أننا نرى عملية القطع كاملة منذ ثقب الذراع عند الكوع، ثم كسر العظام ثم قطع الوتر الممتد عبر الساعد إلى بتر الذراع كلها.

ذروة هذا المشهد في الجملة التالية له عندما يلتقط أرون صورة للذراع -الحبل السري المقطوع والمحتجز خلف الصخرة وإلى الخندق الجبلي- ويقول له كلمة واحدة "شكرا".

الشكر الذي يوجهه أرون إلى المكان الذي احتجز فيه سببه حالة محاسبة النفس شديدة القوة، التي يقوم بها أرون لذاته عبر عشرات مشاهد الفلاش باك بل والفلاش فورورد (أي تخيل اللحظات التي لم تحدث بعد)؛ حيث يسترجع أرون ذكرياته منذ أن كان طفلا صغيرا، ثم مراهقا يتعرى هو وأصدقاؤه في سيارة تقف وسط عاصفة ثلجية، وفي لحظات الحب والجنس مع حبيبته السابقة.

وكلما تذكر أحدا فإنه يعتذر له عما بدر منه من سوء أو تجاهل أو خطأ، بداية من أهله وصولا حتى لطفله الذي لا يزال في رحم الغيب.

من هنا، يشكر أرون الصخرة والمكان الصعب الذي احتجز فيه؛ لأنهما غيرا حياته تماما، فهو وإن كان قد فقد ذراعه، إلا أنه كسب نفسه وحياته فيما بعد، ليس فقط لأنه نجا بشبابه وعمره، ولكن لأن سلوكه مع نفسه ومع كل من في حياته قد تغير بعد تلك التجربة.

وهنا يقوم بويل بالمزج بين الأسلوب الروائي والتسجيلي؛ حيث يقدم لنا في النهاية أرون الحقيقي بذراعه المبتور، بعد أن تزوج وأنجب وتغيرت حياته.

صحيح أنه لا يزال مغامرا يتسلق الجبال ويخوض الصحراء، لكنه أصبح أكثر اعتناء واكتراث لمشاعر من حوله، ويبدو هنا التشابه في الشكل بين شخصية أرون الحقيقية وبين الممثل جيمس فرانكو، الذي قام بأداء دوره، ولكن ليس هذا الشبه هو ما جعل جيمس يترشح لجائزة أحسن ممثل عن دوره بالفيلم، ولكن لقدرته على تقمص روح شخصية أرون.

تلك المعاناة الرهيبة من خلال أحداث تدور أغلبها وهو واقف على قدميه ومحتجز خلف صخرة ضخمة، ثم تلك الحالات من الفرحة والنشوة والحزن والموت النفسي، التي جسدتها ملامحه وعيناه طوال الوقت.

إنها أشبه بمسرحيات المونو دراما، أي مسرحيات الممثل الواحد، ولكن أليست حياتنا في النهاية هي مسرحية لممثل واحد يقوم فيها كل منا بدور محدد، في انتظار أن نصادف لحظة تجبرنا على أن نحاسب أنفسنا في ساعات قليلة عما اقترفناه في سنوات كثيرة.