EN
  • تاريخ النشر: 12 مارس, 2012

فيلم يذهب إليك ولا تذهب إليه " جدو حبيبي" .. كوميديا بشرى ومحمود ياسين تفشل بالإيرادات

فيلم  جدو حبيبي يناسب جمهور التلفزيون أكثر من السينما

فيلم "جدو حبيبي" يناسب جمهور التلفزيون أكثر من السينما

الناقد طارق الشناوي يعتبر "جدود حبيبي" أقرب إلى فيلم تلفزيوني؛ يذهب إليك في المنزل ولا تذهب إليه في السينما.

  • تاريخ النشر: 12 مارس, 2012

فيلم يذهب إليك ولا تذهب إليه " جدو حبيبي" .. كوميديا بشرى ومحمود ياسين تفشل بالإيرادات

مر مرور الكرام فيلم "جدو حبيبي"؛ لم ترحب به شركات التوزيع السينمائي في مصر، ولم يُثِرْ شهية الجمهور لمتابعته، فكان نصيبه هو الأقل في عدد دُور العرض المتاحة أمامه.

ورغم إخفاقه في شباك التذاكر، فإنه فيلم جاد في بنائه الدرامي والفني؛ سلاحه هو الهمس في الرؤية الفنية حتى المواقف الكوميدية التي يقدمها؛ فإنه يحرص على أن تصبح أقرب إلى المداعبات التي تفتح نفسك إلى ابتسامة، لكنها لا تسمح بضحكة صاخبة بتاتًا.

هل الجمهور صار متعودًا على الصخب العالي في الضحك لهذا لا يقبل بالابتسامة ولا يرضى سوى بالضحكة التي تملأ جنبات صالة العرض وتنتقل من متفرج إلى آخر؟!

السيناريو الذي كتبته "زينب عزيز" قائم على تناقض الشخصيتين الرئيسيتين: شابة صغيرة "بشرى" تعيش في لندن عاصمة الضباب، واختارت مهنة البورصة؛ حيث تصل الأسهم في لحظة إلى عنان السماء، وفي أخرى تهبط إلى سابع أرض. والأحداث تبدأ ونحن في لندن؛ عندما نرى كيف أن أرباحها قد تهاوت في البورصة وتتلقى اتصالاً من القاهرة يخبرها بمرض جدها وهي وريثته الوحيدة. وهذا بالطبع يثير شهيتها للعودة إلى مصر.. إنها تفاصيل صغيرة تُسهم في رسم ملامح الشخصية.

الوجه الآخر للصورة هو الجد العجوز الذي يؤدي دوره "محمود يسن"؛ يعيش وحيدًا في سنوات الشيخوخة. وهو -طبقًا لما يقوله الأطباء- يقضي ساعاته الأخيرة في المستشفى. والحفيدة "بشرى" يصير الجد بالنسبة إليها مجرد فرصة لكي تحصل على أمواله لتعيش بعد ذلك حياتها، أما هي بالنسبة إليه فضيف ثقيل يحتاج إليه عندما تأتي ساعته مودعًا الحياة؛ فلقد تعود أن يعيش معه أحد من أفراد أسرته يأتمنه على  مبلغ من المال ليودع بعدها الحياة ، وهو مطمئن على أن كل شيء تم تجهيزه.

كل منهما كان حتمًا أن يلتقي الآخر وفي ذهنه أنه لقاء عابر؛ هو يريد من تساعده على قضاء أيامه الأخيرة، وهي تحلم بيوم أن تحصل على نصيبها من الميراث لتواصل حياتها.. الرجل البخيل لديه صرامة في الحياة؛ فهو لا ينفق شيء إلا من أرباح وديعة يرى فيها قوته؛ فهي تمنحه الحياة.. إنه ليس حريصًا فقط في إنفاق أمواله، بل بخيل أيضًا في إظهار عواطفه؛ فهو لا يمنحها أحدًا ببساطة.. إنه يضع حول نفسه سياجًا من القضبان الحديدية، ويضع غطاءً من "السوليفان" على مشاعره، وكأنك ترى لافتة مكتوبًا عليها "ممنوع الاقتراب واللمس".

مفارقة درامية

التقطت الكاتبة "زينب عزيز" تلك المفارقة لتدلل على تناقض الشخصيتين: موقفه في السوبر ماركت، وكيف أن الحفيدة تملأ عربتها بكل شيء  أما هو فلا يشتري شيئًا.. عندما تنزلق قدمها في المنزل تلتقط عين المخرج "علي إدريس" في لقطة قريبة  "محمود يس" وهو يرى الخسائر المادية التي حدثت في المنزل من جراء هذا الانزلاق؛ إذ تسقط قطع نادرة على الأرض ولا يعنيه ماذا ألم بالحفيدة.. وفي لحظة فارقة تقرر أن تعود إلى لندن، لكن حادثًا عابرًا تصاب به يعيدها مرة أخرى. في هذه اللحظة يقرر الجد أن يتولى مسؤولية تمريضها.

ويقدم المخرج مشهدًا يدعوك للابتسام.. إنه الطبيب الذي أدى دوره "يوسف داودوكان يعتقد أن "محمود يس" لديه أيام قليلة في رصيده من الحياة، ونكتشف أنه هو الذي رحل.. وهكذا يغلف المخرج الرحيل بابتسامة؛ حيث إننا لم نشعر بتعاطف مسبق مع "يوسف داود".

وتنمو المشاعر بين الجد وحفيدته؛ يعيش الرجل على الماضي، وكعادة الكبار يبدؤون يومهم بقراءة صفحة الوفيات، وهذا ما يفعله "محمود يس" أيضًا، ويقرأ خبر رحيل حبيبة قلبه التي عشقها في شبابه وحالت الظروف دون الزواج ، وينتهي الأمر بأن ظلت تحتل مساحة في قلبه، ويختلط عليه الأمر عندما يذهب إلى العزاء، وهناك يكتشف أن هناك خطأً؛ فليست هي الحبيبة المقصودة. وأمام إحساس الحفيدة بمشاعر الجد بعد أن ملأت عينيه الدموع؛ تقرر مساعدته في البحث عن مصير حبه القديم والوحيد حتى تكتشف أنها تعيش في مدينة الفيوم الخلابة.

والحقيقة أن المخرج استطاع أن يقفز بعيدًا إلى تلك المدينة الساحرة التي نادرًا ما تجدها على قائمة مخرجي الدراما في مصر.. شاهدناها من قبل  في فيلم "الراعي والنساء "لعلي بدرخان الذي لعبت بطولته "سعاد حسني"؛ وذلك قبل نحو 20 عامًا. أما المخرج "وائل إحسان" فقدم مشاهد في الفيوم تخللت فيلم "ظرف طارق" قبل خمس سنوات.. إنها تظل في كل الأحوال مرات قليلة لا تتناسب مع سحر هذا المكان.

كل من "محمود يس" و"لبنى عبد العزيز" التي تؤدي دور الحبيبة السابقة ذهب إلى طريق، لكن من الممكن أن يستطيع الأولاد استئناف الحب مرة أخرى فيتواصل في جيل آخر، وهكذا تتجدد المشاعر وكالعادة هناك عائق؛ هو ارتباط ابن "لبنى عبد العزيز" الذي أدى دوره "أحمد فهمي" بفتاة أخرى "نجلاء بدر". وهي جميلة ومثيرة، لكنها لا تحمل مشاعر حقيقية.

فهي ترى أن زوج المستقبل عليه أن يدفع الثمن.. هكذا رسم السيناريو ملامحها حتى يصبح هناك مبرر لكي تنتقل مشاعر "أحمد فهمي" إلى "بشرىوما فشل الجد والأم في تحقيقه أيام الشباب نراه في المشاعر التي توهجت بين "بشرى" و"أحمد فهمي" وانتهت الأحداث بموت "محمود يس" وبتعبير مُوحٍ سينمائيًّا: نستمع إلى صوته وهو يوصي حفيدته كيف تعيش الحياة التي هي عطاء للآخر قبل أن تحسب ماذا أخذت.. عليك أن تعرف أولاً كيف تمنح.

إنه فيلم به قدر لا ينكر من البساطة في التعبير ، لكن يفتقد الحميمية التي ينبغي توافرها في العمل الفني.. شيء من البرودة افتقدها الفيلم، فافتقد تواصله مع الجمهور.

ألق فني

والحقيقة أن "محمود يس" أدى دوره بحالة من الألق والتفهم للتفاصيل الدقيقة. ولدينا "بشرى" أيضًا التي اجتهدت في الدور، ولم تكن "لبنى" موفقة في عودتها إلى السينما؛ فقد بدت على الشاشة كأنها تؤدي بلا مزاج فني.

أكيد أن الفيلم افتقد نجم شباك يذهب إليه الجمهور.. "بشرى" هي البطلة، وهي التي تتحمل مسؤولية الشباك.. الجمهور لم يذهب إليها. وهذه هي التجربة الرابعة لها باعتبارها بطلةً واسمها يتصدر الأفيش، إلا أنها حتى الآن لا تزال تعوزها القدرة على الجذب الجماهيري، وهذه بالتأكيد قضية أخرى.

 "علي إدريس" يقدم فيلمه بنعومة إخراجية، لكنه هو أيضًا مسؤول عن افتقاد السخونة؛ فهو يبدو أقرب إلى فيلم تلفزيوني يذهب إليك في المنزل ولا تذهب إليه في السينما.. أتوقع أن يحقق هذا الفيلم رواجًا بين مشاهدي التلفزيون عند عرضه فضائيًّا بعد أن خذله جمهور السينما!!.