EN
  • تاريخ النشر: 04 أكتوبر, 2010

تنبأ بصعود اليسار وسخر من الكيانات الاقتصادية الجديدة "وول ستريت 2 ".. غول "الاستهلاك" ينذر بانهيار المجتمعات

في عام 1987، قدم المخرج أوليفر ستون المؤرخ السينمائي للسياسة الأمريكية -كما يطلق عليه- أحد أهم أفلامه وهو وول ستريت على اسم شارع المال الشهير في أمريكا- واستطاع أن يحصد به عدة جوائز، كان أهمها أوسكار أحسن ممثل للنجم مايكل دوجلاس.

  • تاريخ النشر: 04 أكتوبر, 2010

تنبأ بصعود اليسار وسخر من الكيانات الاقتصادية الجديدة "وول ستريت 2 ".. غول "الاستهلاك" ينذر بانهيار المجتمعات

في عام 1987، قدم المخرج أوليفر ستون المؤرخ السينمائي للسياسة الأمريكية -كما يطلق عليه- أحد أهم أفلامه وهو وول ستريت على اسم شارع المال الشهير في أمريكا- واستطاع أن يحصد به عدة جوائز، كان أهمها أوسكار أحسن ممثل للنجم مايكل دوجلاس.

ولكن أهمية الفيلم جاءت في المقام الأول بسبب قدرته على تحليل الفساد الحادث في كواليس البورصة الأمريكية قبل أعوام قليلة من انهيار الشيوعية، وبداية حقبة تاريخية جديدة همينت فيها أمريكا على العالم تحت مسمى العولمة والقطب الأوحد.

ومن هنا أيضا تأتي أهمية الجزء الثاني وعنوانه "المال لا ينام أبداوالذي يعرض بعد عامين من حدوث الأزمة الاقتصادية العالمية والتي بدأت من أمريكا وانتشرت في العالم كله.

في البداية نتعرف على موجز سريع لحالة التطور الاقتصادي والمالي الذي حدث في السنوات الأخيرة من خلال حديث أحد رجال المال في وول ستريت "لورانس زيبل" إلى أهم مساعديه جاك (شيا لابوف) عن إحساسه أنه أصبح مثل ديناصور عجوز في زمن كل شيء مرتبط فيه بشاشات الكومبيوتر حيث العالم الافتراضي الشاسع، الذي تؤثر أرقامه ومقاييسه على الجميع.

حتى أنه يمكن أن يتحدث مع شخص غريب من دبي أو مومباي ليشتري أسهما في مشاريع لا يعرف عنها شيئا، وهي إشارة ذكية للكيانات الاقتصادية الجديدة التي ظهرت في السنوات العشر الأخيرة.. ولكنها في الوقت نفسه تبدو إشارة بها الكثير من السخرية والاستخفاف على اعتبار أن تلك الكيانات لا تزال في طور النمو أو أنها تحاول أن تلعب مع الكبار بمنطق السوق الواحد الذي أفرزته العولمة خلال القرن الجديد.

ويصبح لورنس زيبل نموذجا لرجال المال الذين يتأثرون ببداية الأزمة العالمية فينتحر تاركا جاك مصمما على الانتقام من الشركة التي تسببت في تلك الخسارة لأبيه الروحي.. وفي نفس الوقت يخرج جوردن جيكو (مايكل دوجلاس) من السجن ويتعاون معه بحكم أن جاك هو خطيب ابنته ويني.

تمثل ويني ابنه جيكو وخطيبة جاك إحدى نماذج الفيلم المهمة والتي تمثل اليسار المثقف الرافض لسيطرة رأس المال ولمنطق وول ستريت في التعامل مع البشر على أنهم أقل قيمةً من النقود.

هذه الفتاة التي تعرضت لمحنة سجن الأب في سن صغيرة، وفقدان أخيها الأكبر بسبب جرعة مخدرات زائدة نتيجة غياب دور الأب الأسري! تكره كل ما يتعلق بالمنطق المادي في التعامل مع الأشياء.. خاصة المشاعر، وفي نفس الوقت تترأس تحرير موقع يساري على الإنترنت يقوم بالكشف عن فضائح الكبار.

ويحاول جيكو أن يستعيد علاقته بابنته عن طريق جاك من خلال مساعدته في الانتقام.. ولكننا نكتشف في النهاية أن ويني تملك 100 مليون دولار هي حصيلة وديعة تركها لها الشاب قبل سجنه وأن كل ما يهم الأب هو استعادة هذا المال قبل أن تتبرع به ابنته للمشاريع الخيرية.

ويبدو الحس اليساري لدى أوليفر ستون واضحا جدا من خلال شخصية ويني، بل إن السيناريو يجعلها تحمل من جاك ليصبح هذا الجنين هو رمز المستقبل القادم بعد الأزمة، وهو ثمرة علاقة اليسار المثقف الحر بالعقلية الرأسمالية الشابة النظيفة التي يمثلها جاك، وهي رسالة سياسية مهمة يؤكد عليها الفيلم من خلال لقطة الجنين داخل بطن أمه والمصوَّرة بالسونار، وذلك عندما يعرضها جاك على الجد جيكو محاولا أن يستميل قلبه ويقنعه برد الـ 100 مليون دولار من أجل أن تتبرع بهم ويني لمشروع إنتاج طاقة نظيفة للمحافظة على ما تبقى من الأوكسجين في كوكب الأرض.

يجسد النجم الشاب شيا لابوف دور جاك بشكل يجعله ينتقل بخطوات واسعة من دور المراهق الطائش إلى الشاب الناضج صاحب الشخصية المؤثرة، حتى لتكاد تشعر أنه ليس نفس الفتى الذي قدم سلسلة (المتحولون) منذ أقل من عام، لقد استطاع شيا بمعاونة توجيهات أوليفر ستون أن يملأ بذلة السمسار المالي الشاب، خاصة أن تلك البذلة هي في الأصل للممثل تشارلي شين والذي قدم شخصية فوكس في الجزء الأول وكانت سببا في انطلاقه إلى آفاق النجومية في هوليود.

ويقدم ستون تحية لتشارلي شين من خلال ظهوره في إحدى الحفلات داخل أحداث الفيلم؛ وذلك في لقاء عابر بينه وبين جيكو /دوجلاس لنتعرف في لقطة واحدة عما حدث من تطورات لهذه الشخصية التي كانت محور أحداث الجزء الأول.

هذا المشهد يمثل جزءا من خبرة ستون في التكثيف الدرامي السينمائي، وفي نفس الوقت يمحو من ذاكرة المتلقي صورة تشارلي الشاب، حيث نراه الآن وقد صار عجوزا نسبيا، بينما تترسخ لدينا صورة شيا السمسار الشاب على اعتبار أنه محور الفيلم الجديد، رغم أن جملة المال لا ينام أبدا -وهي عنوان الجزء الجديد- هي الجملة التي يقولها جيكو إلى فوكس في الجزء الأول وتغير من مجرى حياته.

جملة المال لا ينام أبدا التي جعلها ستون عنوان لهذا الجزء جسدتها شخصية جيكو/ دوجلاس ببراعة، حيث قام الفيلم بشبه توحيد ما بين الشخصية وبين المال أو المنطق المادي للمال، ومن هنا لم نرَ شخصية جيكو نائمة في أي من مشاهد الفيلم، سواء بالليل أو النهار، بل نراه لا يستريح حتى ولا يتوقف عن الحركة داخل الكادرات والمشاهد تماما مثل المال الذي لا يتوقف عن الحركة من أجل تحقيق المزيد من الربح.

والجميل في الشخصية هو تعدد الدلالات التي تمثلها، فهو يتحدث أيضا بلسان حال ستون نفسه، ورؤيته في سبب الأزمة.

فنحن نتابع جيكو بعد أن خرج من السجن وهو يلقي محاضرة طويلة عن الأسباب الحقيقية للازمة الاقتصادية من قبل حتى أن تحدث، حيث إن الأحداث تبدأ قبل الأزمة وذلك للوقوف على جذورها.

ويختصر جيكو السبب الرئيسي في تحول المجتمعات من الإنتاج إلى الاستهلاك، حيث يقترض أصحاب المنازل بفوائد عالية راهنين بيوتهم لكي يذهبوا للتسوق في (المولات) وفي النهاية يستهلكون ما يشترون ولا يتمكنون من تسديد قروضهم فينهار كل شيء.