EN
  • تاريخ النشر: 18 ديسمبر, 2011

"وهران السينمائى".. جنة "ســنوات الجمر "

fan article

fan article

فيلم «وقائع سنوات الجمر» ملحمة سينمائية لها أن تدفع أي جزائري أن يكون فخورا بأن يحتوي أرشيفه السينمائي على فيلم كهذا

(زياد عبد الله) يصف ابن خلدون مدينة وهران الجزائرية بأنها "جنة الحزين"» ..تستوقفني العبارة لشاعريتها، ولا أدعي أنني حزين وأنا في أحضان هذه المدينة الساحلية الجميلة، أتابع فيها «مهرجان الفيلم العربي»، الذي سيكون آخر مهرجانات هذه السنة، وعلى شيء من تحول برنامجه إلى برنامج تجميع لما شاهدناه في هذه السنة أو السنة التي قبلها، في اتباع لتوزيع جغرافي له أن يحقق ما تأسس عليه المهرجان، أي بوصفه مهرجانا للفيلم العربي فقط، وتحديدا الروائي القصير والطويل.

تتولى الأفلام المعروضة في هذه الدورة، كما في غيرها من دورات، تمثيل الدول العربية بشكل أو بآخر، فحين نقول مصر مثلا فإن فيلم عمرو سلامة «أسماء» وفيلم خالد يوسف «كف القمر» يمثلان مصر في مسابقة الروائي الطويل، بينما يمثل سوريا فيلم «دمشق مع حبي» لمحمد عبد العزيز، وتحضر الجزائر من خلال فيلمين الأول «نورمال» الفائز بجائزة ترابيكا الدوحة لمرزاق عولاش، و«قديش تحبني» فيلم فاطمة الزهراء زعموم. بينما تحضر تونس من خلال فيلم رضا الباهي «دائما براندو» الذي شاهدناه في دورة هذا العام من مهرجان أبوظبي السينمائي، بينما يحضر من المغرب فيلم «الأندلس الحبيبة» لمحمد نظيف، و«الماجد» لنسيم عباسي الذي عرض في الدورة قبل الأخيرة من مهرجان دبي السينمائي، مثلما هي الحال مع فيلم الأردني محمد الحشكي «مدن ترانزيت» وصولا إلى الفيلم المتوج في الدورة الثامنة من مهرجان دبي السينمائي الذي اختتم فعالياته منذ أيام، وأقصد هنا فيلم سوزان يوسف «حبيبي راسك خربان».

الكتابة عن الأفلام السابقة سيكون أمرا مكررا، وقد سبق لي وكتبت عنها، كما أن المهرجان سيكون بشكل أو بآخر بانوراما سينمائية عربية لا تدخل في نطاق الاستحواذ على عروض عالمية أولى أو حتى عربية أولى، وما سأفعله هنا سيكون أمرا غريبا، متمثلا في الحديث عن تجربة شخصية متعلقة بفيلم قصير يعرض ضمن أفلام مسابقة الفيلم القصير، عنوان هذا الفيلم «بيب»، وقد قمت بكتابة سيناريو هذا الفيلم، وأخرجه المخرج المصري هيثم صقر، وعرض أول من أمس في سينما السعادة الوهرانية.

السينما مدهشة بحق عليّ أن أبدأ بعبارة كهذه تحمل الكثير من المعاني والتأويلات، وعليّ التوضيح، مثلا أن فكرة فيلم «بيب» تعود بي إلى عام 2002، التي ما أن تعرفت إلى هيثم صقر وذلك لم يكن إلا العام الماضي حتى حدثته عنه على فنجان قهوة فأعجب بها كثيرا وسألني بعبارة سينمائية محضة «أريد ورقا»، طبعا هذه العبارة مفصلية في صناعة أي فيلم، إذ إن الفيلم أي فيلم عليه أن يكون على الأوراق أولا وألا يكون شفاهيا، ومتى أصبح هناك سيناريو فإن أولى الخطوات نحو إنجاز ذلك الفيلم تكون قد تحققت، وهذا ما فعلته كون كتابة الفكرة التي كانت في رأسي منذ أكثر من ثماني سنوات تقريبا لم تستغرق كتابتها سوى أيام معدودات لا تتجاوز الأسبوع الواحد، وها هو الآن مجسد بصري في سياق فيلم دار على مهرجانات عالمية كثيرة، ابتداء من سيؤول مرورا بمهرجان «انترفيلم» ببرلين، ومهرجان كليفلاند السينمائي ومهرجان الفيلم العربي في أمريكا ومهرجانات كثيرة أخرى وصولا إلى وهران.

هناك حقيقة صارخة تجب مشاركتها مع المتابع للسينما، هي أن الكاتب لا يعود يملك الفيلم متى خرج من الأوراق إلى الكاميرا، ومع إدراكي هذه الحقيقة نظريا فقد استدعى مني ذلك الكثير من الجهد لتنحية رؤيتي الخاصة حين مشاهدة الفيلم الجميل الذي أنجزه هيثم صقر، وهنا أصف الفيلم بالجميل ليس بناء على ما أرى الفيلم عليه حين كان يتجول في رأسي أو حين كان على الأوراق، بل بناء على ما صنعه صقر وفق ما قرأ عليه الأوراق التي أمامه بوصفه مخرجا، وأنا بالتأكيد ومهما تطابقت الرؤى بيني وبين المخرج فإن شيئا آخر سأراه على الشاشة.

وعليه فإن «بيب» هو فيلم هيثم صقر أولا الذي لن أقاربه نقديا، لكن علي تتبع ما يحمله الفيلم الذي يصفه صقر بـ«الكابوس الرقمي»، وهو كذلك لأن الكلمة المفتاح في الفيلم متمثلة في عنوانه، فالفيلم صامت أولا، وليس «بيب» إلا مجموعة من الرنات الرقمية التي تختزل حياتنا الحديثة، وصولا إلى الرنة الأخيرة، لا بل إن تراكم هذه الرنات في حياتنا اليومية سيحول كل شيء إلى سلعة كما لو أننا لا نحمل قلوبا ولا أرواحا بل «بار كود»، التسليع يمضي جنبا إلى جنب مع إيقاع تصاعدي يبني عليه فيلمه صقر بما يجعلنا أمام قراءة سينمائية لشخصية تسعى إلى أن تكون كما كان عليه السيد «ك» في رواية كافكا «المحاكمة» المدان بما لم يرتكبه، إنه كما في فيلم صقر ضحية نظام اجتماعي واقتصادي اتفق البشر على أنه أفضل ما توصلت إليه البشرية، وهي ثقافة الاستهلاك ولا شيء إلا الاستهلاك.

أترك ما تقدم من اختلاط الشخصي بالنقدي، وأمضي مع فرصة يتيحها مهرجان وهران للفيلم العربي، متمثلة في الرجوع إلى عام 1975 والفيلم المفصلي في تاريخ السينما العربية، وأقصد تحديدا فيلم الجزائري محمد الأخضر حامينا «وقائع سنوات الجمر» الفيلم العربي الوحيد الفائز بسعفة «كان» الذهبية، الأمر الذي لم يتكرر إلى يومنا هذا، وأقصد تحديدا فوز فيلم عربي بالسعفة الذهبية، ولعل عرضه في سياق هذه الدورة من وهران الفيلم العربي يشكل بالنسبة لي فرصة هي الأهم لمشاهدة هذا الفيلم في السينما، وعلى شاشة كبيرة، وهذا ما تحقق أول من أمس بسينما السعادة في وهران، ولأكون حيال هذا الفيلم البديع، أو التحفة الفنية التي علي القول هنا دون كثير سعادة إنها لم تتكرر بناء على متابعة أتمنى أن أكون مخطئا في تبني رأي كهذا، لا.. بل إن وضع هذا الفيلم كعتبة للإنتاج السينمائي العربي تبدأ من عام 1975، وتصل إلى أيامنا هذه ستقول لنا، إن إمكانية تحقيق فيلم كهذا أصبحت تتضاءل، ولأسباب عدة، لن أخوض بها الآن، ولي أن أعود إليها في مقالات أخرى.

فيلم «وقائع سنوات الجمر» ملحمة سينمائية لها أن تدفع أي جزائري أن يكون فخورا بأن يحتوي أرشيفه السينمائي على فيلم كهذا، إنه فيلم له أن يتعقب مصائر أحمد الذي لن يكون إلا تجسيدا لمصائر بلد بأكمله، يبدأ من الجفاف وينتهي بالثورة والاستشهاد، هذا الأحمد الذي نقع عليه في لقطة تتبع أقدامه على أرض متشققة إلى أن تجاور تلك الأقدام نعاجا نافقة، وولد إلى جانبها على وجهه كل علامات الأسى وهو ينظر إلى ذلك الرجل الذي هو أحمد وحين تنتقل الكاميرا إلى وجه أحمد فإننا لا نراه؛ لأن الشمس تكون ساطعة من خلفه ووجهه في منتصفها.

ينقسم الفيلم إلى فصول تشكل مراحل نشوء الجزائر، وفي الوقت نفسه المراحل التي عاشها أحمد، هي «سنوات الرماد»، و«سنوات العربة»، و«سنوات الجمر» و«سنوات الحملة» و«سنوات النار»، وصولا إلى التواريخ مثل «الأول من نوفمبر 1954» و«11 نوفمبر 1954»، ومع الرماد لن يكون من شيء إلا شظف عيش الفلاحين وانتظارهم الأمطار والمياه، «مع سنوات العربة» سيحضر الطاعون ونكون شهودا على موت جميع أفراد عائلة أحمد إلا ابنا واحدا سيبقى حتى نهاية الفيلم ويكون رضيعا في المهد.

مصائر أحمد مصائر بلد بأكمله، وتنقلاته تحت وطأة عوزه ستكون مترافقة مع تطور وعيه، أو استجابته لمعاينة ما حوله وحجم الظلم الواقع عليه من الاستعمار والإقطاع وغيرهما، الفيلم محتشد باللقطات التي تنسى، وهو كما يصف تاركوفسكي السينما بأنها «نحت في الزمن»، فإنه نحت في الزمن والصورة والمشهد واللقطة.

* نقلا عن صحيفة الإمارات اليوم