EN
  • تاريخ النشر: 05 يناير, 2012

"هيوغو».. السينما عـلى دقات الساعات

fan article

fan article

فيلم مارتن سكورسيزي Hugo «هيوغو» يحتفي بالسينما والسحر والكتب والطفولة والمغامرة والحب

  • تاريخ النشر: 05 يناير, 2012

"هيوغو».. السينما عـلى دقات الساعات

(زياد عبد الله ) اذهب لمشاهد فيلم مارتن سكورسيزي Hugo «هيوغو» المعروض حالياً في دور العرض المحلية، وأنا أفكر ما الذي سيفعله هذا المعلم الكبير في هكذا فيلم؟ هل يمكن لتجربة ثلاثية الأبعاد أن تكون معبراً إلى انعطافة ما في تجربة صاحب «سائق التاكسي»؟ وهـل يمكـن لتلك التصنيفات اللاسينمائية المتمثلة بوضع الفيلم في مرتبة الصالح لجميع أفراد العائلة أن يكون أمراً جديداً؟ أسئلة لا امتلك إجابات عنها قبل المشاهدة، لكنها محمّلة بالترقب.

من اللقطة الأولى ومع مطلع باريس الثلاثينيات، كما شكّلها الفيلم، سأقول: «فعلها اللعين.»، ومن ثم سيكون الفيلم فعل تعقب جمالي خالص، وستكون الحركة في دهاليز الساعات وتلك البندولات والمسننات وهي تتعشق وتطلق لنا الوقت، والذي سيجيء متناغماً مع كل ما في الفيلم. وهنا يصحو الشعور بأن الأبعاد الثلاثة فعل مستقبلي مهيمن على سينما اليوم لن يكون مع سكورسيزي إلا فعل حنين، وشيئاً ينتمي في الوقت نفسه إلى ما يصنعه من أفلام وثائقية عن «الرولينغ ستونز»، أو عن ايليا كازان، وهو يصفي حساباته مع من شكلوا إلهاماً لما صنعه من أفلام طوال مسيرته السينمائية المترامية والمتواصلة، ولنكون في النهاية مع «هيوغو» أمام تاريخ السينما متعشقاً كما مسننات الساعات مع قصة للأطفال، فهناك قطار الأخوين لوميير والناس تتدافع أمام الشاشة حين رأوا لأول مرة صورة متحركة عام ،1885 مروراً بطلقة المسدس الشهيرة التي خرجت في نهاية فيلم «سرقة القطار العظيمة» 1903 وقد بدأ الجمهور حينها بالهرب والتدافع خوفاً من أن تصيبهم رصاصة ذلك السارق، وصولاً إلى جورج ميليس، الذي شكّل بدايات السينما بخياله المدهش ونحن نتعقب بشكل رئيس فيلمه الشهير والمفصلي في تاريخ السينما «رحلة إلى القمر» 1902 من بين 80 فيلماً سيقال في نهاية الفيلم إنه تم انتشالها واستعادتها لساحر السينما ميليس.

السؤال هنا: كيف لما تقدم أن يأتي في سياق فيلم لنا أن نصطحب معنا أولادنا لنا مشاهدته، والإجابة في الفيلم تتحلى بكل الصفات السحرية المستقاة من ميليس، لكن على يدي ساحر سينمائي معاصر هو سكورسيزي نفسه، حيث سيبدأ الفيلم مع هيوغو (آسا بترفيلد) وهو فتى في الـ12 من عمره، يتيم يعيش في محطة قطارات باريس، إنه يمتلك موهوبة إصلاح كل شيء، ويمضي حياته في دهاليز الساعات ويضبطها ويصونها ومن ثم يقوم بسرقة ما يسد رمقه من أكل.

مع شخصية هيوغو الآثرة ستحضر شخصية بائع الألعاب (بن كينغسليوالذي سنكتشف مع تتابع الأحداث من سيكون، ومعه حفيدته، إضافة لمفتش الشرطة (ساشا كوهينالذي يكون على الدوام بالمرصاد للأطفال المشردين، وهيوغو يرتعد خوفاً منه.

ضمن تلك الشخصيات والبناء البصري المدهش لباريس الثلاثينات، سنتعرف إلى عوالم هيوغو، حيث أمه الغائبة عنه من البداية، ووالده (جود لو) المتوفى في حـريق، والذي كان أباً وأماً لهيوغو، ويعمـل في صناعة وصيانة الساعة، والذي يترك له قبل وفاته رجلاً آلياً ينتشله من المتحف سيكون اللغز والمعبر في الوقت نفسـه إلى حياة بائع الألعاب الذي لن يكون إلا جورج ميليس نفسه. وصول هيوغو إلى حقيقة من يكون جورج ميليس والكيفية التي يتم بها ذلك سيكون بحد ذاته عبوراً مدهشاً، بين قصة هيوغو وقصة ميليس وبالتالي تاريخ السينما، فذلك الرجل الآلي وحين يتمكن هيوغو من تشغيله من خلال المفتاح الذي تحمله حفيدة ميليس، سيقوم برسم وجه القمر كما لو أنه مصنوع من الكريمة وقد انغرست به الكبسولة الفضائية التي أطلقت بواسطة مدفع ضخم من الأرض، ولمن لا يعرف هذه الصورة، فهي من أشهر اللقطات في تاريخ السينما، وهي من فيلم «رحلة إلى القمر»، وليكون ذلك أولى خطوات هيوغو في مقاربة عوالم جورج ميليس، الذي لن يكون إلا بائع الألعاب الذي يأخـذ مـن هيوغو الدفتر الذي يحتوي رسوماً تفصيلية للرجل الآلي.

فيلم «هيوغو» المأخوذ عن كتاب مصور لبراين سيلزنيك محفوف بالجمال من كل جانب، ويمكن تتبعه على ثلاثة مستويات: الأولى قصة الفتى هيوغو وهوسه بإصلاح الأشياء، وفي المتسوى الثاني هناك تاريخ السينما، وفي الثالث ربط هيوغو الصغير بميليس الهرم واليائس، لا بل إن هيوغو سيجده مثل الرجل الآلي الذي سيكون ميليس صانعه، فهو فاقد للهدف وبالتالي فهو معطل، ومن ثم فتح عوالم هذا المخرج على مصراعيها والكيفية التي قارب بها الفن السابع وذلك الاستديو الزجاجي الذي بناه، وانتقاله من ساحر على خشبة المسرح إلى ساحر على سطح الشاشة. يمكن في الوقت نفسه إضافة مستوى ثالث على ما تقدم متعلق بسكورسيزي نفسه، وعلى شيء من «الأتوبيوغرافية»، وهو يروي ويسرد بصريا ما نراه كما لو أنه يروي قصة عشقه للسينما عبر قصة هيوغو، الذي يرى فيه ميليس نفسه حين كان يافعاً، فميليس أيضاً تقني مهوس بالآلات، وحين بدأ تصوير أفلامه لم يساعده الأخوان لوميير، بل قام بتصنيع كاميرته بنفسه، وهو مخرج أفلامه ومنتجها ويلعب فيها البطولة إلى جانب زوجته.

فيلم «هيوغو» لا يشبه أياً من أفلام سكورسيزي، ولا يمكن له إلا أن يكون بمثابة مفاجأة جديدة يجترحها ساحر سينمائي لا يصنع شيئاً إلا ويكون محكماً، ولعل «هيوغو» الذي يأتي بعد «جزيرة شاتر» لن يكون إلا صندوقاً سحرياً و«تحفة فنية»، كما وصفه جيمس كاميرون لدى مشاهدته، إنه فيلم يحتفي بالسينما والسحر والكتب والطفولة والمغامرة والحب.

* نقلا عن الإمارات اليوم