EN
  • تاريخ النشر: 01 نوفمبر, 2011

نال الجائزة الأول بعفوية لا افتعال "نورمال" الجزائري يحصد ثمار الثورات في "ترايبكا"

  مرزاق علواش خلال الإعلان عن الجائزة

مرزاق علواش خلال الإعلان عن الجائزة

نقد تحليلي للفيلم الجزائري نورمال "طبيعي" للمخرج "مرزاق علواش" الحائز على جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان "الدوحة ترايبكا" الثالث

  • تاريخ النشر: 01 نوفمبر, 2011

نال الجائزة الأول بعفوية لا افتعال "نورمال" الجزائري يحصد ثمار الثورات في "ترايبكا"

تعددت الأفلام روائية وتسجيلية والتي تناولت الثورات العربية ودائماً ما تشعرني هذه الأفلام بالافتعال الفني والفكري والدرامي، فهي قد صنعت من أجل استغلال الحدث، ويعتقد صانعوها أنهم والجمهور على موجة واحدة، إلا أنهم يكتشفون عند العرض أن الناس اكتشفت خداعهم والمسافة قد اتسعت والموجتان لم تلتقيا!! على الجانب الآخر، جاء الفيلم الجزائري نورمال "طبيعي" للمخرج "مرزاق علواش" الحائز على جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان "الدوحة ترايبكا" الثالث بعد منافسة شرسة مع العديد من الأفلام المتميزة.

أصبح أسم "علواش" أحد علامات الجودة في السينما العربية أفلامه دائماً هي عنواننا العربي الأبرز والأهم في العديد من المهرجانات العالمية.. في فيلمه قبل الأخير "حراقة" الذي عرض في مهرجان "فينسيا" قبل نحو عامين كان يتناول معاناة الشباب الجزائري الذين تقطعت بهم سبل الحياة، ولم يعد لديهم من حلم سوى الهجرة خارج الحدود.

 المقصود بكلمة "حراقة" هؤلاء الشباب الذين يقطعون كل الصلة بينهم وبين الأرض التي ينتمون إليها، فيحرقون أوراق الهوية التي تشير إليهم قبل أن ينطلقوا في رحلة إلى المجهول في عرض البحر تتقاذفهم الأحلام بتحقيق الثراء وتغتالهم الكوابيس بأن تأكلهم الأسماك المتوحشة قبل أن يصلوا للشاطئ البعيد على الضفة الأخرى وجاءت النهاية في الفيلم مأساوية حيث لاقوا حتفهم إما غرقا أو قتلاً.

 هذه المرة يشارك "مرزاق" في مهرجان الدوحة بفيلمه "طبيعي" –normal- الذي يتناول أيضاً أحلام وإحباطات الشباب الذين قرروا هذه المرة التشبث بالبقاء على أرض الوطن وتغييره للأفضل حيث يقطع المخرج في بنائه للفيلم الخط الفاصل بين الرؤيتين التسجيلية والروائية من خلال حبكة درامية تقدم أيضاً معاناة الشباب الذي يتمسك بأرضه فيقرر هذه المرة أن يصبح مناضلاً، فيهتف من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية.

 عين المخرج توجهت إلى تفاصيل عاشها الشباب من خلال مشاهدة جماعية لفريق العمل لفيلم تسجيلي قدمه قبل عامين ويحاول استكماله وإضافة أشياء تتوافق مع الحالة والمزاج النفسي بعد الثورة حيث أيقظت مشاعره بأحاسيس متضاربة متابعته للمظاهرات التي اندلعت في الجزائر قبل الثورتين التونسية والمصرية  وهي تطالب بالحرية وكذلك نجاح الثورتين التونسية والمصرية التي قادها الشباب وغير من خلالها وجه العالم العربي كله.

 المخرج يستعيد الشريط الذي صوره مع الممثلين ونرى مثلاً الممثل الذي يرفض أن يُقبل الممثلة التي تشاركه أداء أحد المشاهد لأنه يعتقد أن التمثيل يفرض عليه محاذير أخلاقية ينبغي الخضوع لها.

 لا يترك "علواش" هذا الموقف يمر بدون أن يعتبره بمثابة خيط درامي يضيف من خلاله رؤيته للشباب الذي يطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية وفي نفس الوقت يرصد المتغيرات الفكرية التي عاشها هؤلاء الشباب.. وتستمر الثورة حاضرة بقوة في الفيلم لا تستطيع أن تعزلها عن الحياة الطبيعية التي يعيشها الناس في ظل واقع متغير وعلى كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية وأيضا النفسية.

ثمن الحرية

 أكدت الثورات العربية أن الشباب لم يتوانى عن دفع ثمن الحرية وفي نفس الوقت كانت عين المخرج ترصد هؤلاء الشباب في كل الأوجه التي فرضت نفسها عليهم.. الممثل الذي يؤدي دور المخرج في الفيلم يؤمن أن دوره كمخرج هو الأهم.. إنه لا يخشى النزول للشارع ولكنه يفضل أن يقدم رأيه كفنان على شريط سينمائي بينما الآخرون قناعتهم هي أن لو كل إنسان اكتفى بالتعبير عن الثورة من خلال موقعة ولم يشارك في النزول للشارع فلن تقم ثورة في أي دولة في العالم.

هل المخرج هو معادل موضوعي للديكتاتور الذي يملك حياة الناس من خلال تحكمه في نهاية الأمر بمصائرهم عن طريق المونتاج النهائي للعمل الفني وهكذا يتم عبور الخط الفاصل بينهما أقصد تطل علينا الشخصيات التي نراها أمامنا على الشاشة بعد أن تتجاوز حاجز الوهم الفني وفي نفس الوقت يطل علينا المخرج متجاوزاً حاجز الشريط السينمائي.. هل تغير الديكتاتور بعد الثورة أم إنه يظل قابعاً بداخل بعضنا يتحين الفرصة للانقضاض.

الفيلم يرى أن الثورة في الشارع العربي هي التي تملك الآن الحسم الكل صار خاضعاً لإرادتها ولهذا يبدأ الفيلم بيافطة مرفوعة عن العدالة والحرية وينتهي أيضاً بنفس اليافطة وهي تملأ الشاشة وتهيمن على كل التفاصيل.

 الفيلم الذي يجمع بين الرؤيتين التسجيلية والروائية في العديد من خيوطه يترك مساحة في نهاية الأمر لكي يقترب من الحالة الواقعية وكأننا بصدد برنامج مما يطلق عليه تليفزيون الواقع وتستطيع أن تعتبرها في هذه الحالة سينما الواقع ولهذا كثيراً ما كانت الكاميرا المحمولة هي أداة التعبير.

عفوية سينمائية

قليلاً ما لجأ المخرج للقطع من شخصية إلى أخرى حركة الكاميرا في بعدها النفسي تشعرنا أكثر بالإحساس الواقعي.. الممثلون في هذا الفيلم كانت التوجيهات الصارمة لهم هي الالتزام بحالة العفوية ونجحوا تماماً في توصيل هذا الإحساس مثل "عديلة بن ديمراد" و "نها مثلوطي" و"نجيب البسير" وكانت موسيقى "يحيى بو شعلة" تمنح الشريط المرئي وهجاً وألقاً خاصاً.

ثورات الربيع العربي شاهدتها في العديد من الأفلام تسجيلية وروائية ولكني أراها بزاوية أخرى من خلال هذا الفيلم الذي أثبت به "مرزاق علواش" أنه لا يزال نبضه السينمائي شاباً بل ومشاغباً حتى لو لم يحمل يافطة في الشارع الجزائري مثل بطل الفيلم يطالب فيها بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لأن فيلمه كان محرضاً لكي تطالب الجماهير بذلك!!

الفيلم يحمل اسم "طبيعي" رغم أن الثورات العربية كانت تحمل ظرفاً استثنائياً غير طبيعي ولا معتاد في تاريخ الشعوب العربية ونحن نرى الصورة الآن بها الكثير من الثقوب والانكسارات على أرض الواقع ونتمنى أن تصبح بالفعل الحياة في العالم العربي بعد ثورات الربيع  طبيعي "نورمال" على رأى "مرزاق علواش".