EN
  • تاريخ النشر: 22 نوفمبر, 2009

حبكة فنية متماسكة في الفيلم "نهر لندن" يغتال حب إنجليزية مسيحية لمسلم إفريقي!

الفيلم تناول قصة حب بين مسلم ومسيحية يذهبان ضحية للإرهاب

الفيلم تناول قصة حب بين مسلم ومسيحية يذهبان ضحية للإرهاب

لو لم تشاهد تيترات فيلم "نهر لندن London river" الجزائري فسوف تتصور أنه فيلم إنجليزي أو فرنسي، ولن تتصور أنه من إخراج المخرج الجزائري رشيد بوشارب.. ليس لأن الفيلم ناطق بالإنجليزية والفرنسية، وليس لأن أحداثه تدور في لندن، ولكن لأن "بو شارب" يعلن من خلاله أنه مخرج يحمل سمات العناصر الفنية المميزة للسينما الأوروبية، دون مباشرة أو ادعاء، بل ودون صوت عال ومظاهرات حماسية كالتي نراها في أفلام أخرى تتحدث عن الإرهاب الدولي، والعلاقة مع الآخر والسلام العالمي، بأسلوب مباشر، ومعالجات هزيلة.

لو لم تشاهد تيترات فيلم "نهر لندن London river" الجزائري فسوف تتصور أنه فيلم إنجليزي أو فرنسي، ولن تتصور أنه من إخراج المخرج الجزائري رشيد بوشارب.. ليس لأن الفيلم ناطق بالإنجليزية والفرنسية، وليس لأن أحداثه تدور في لندن، ولكن لأن "بو شارب" يعلن من خلاله أنه مخرج يحمل سمات العناصر الفنية المميزة للسينما الأوروبية، دون مباشرة أو ادعاء، بل ودون صوت عال ومظاهرات حماسية كالتي نراها في أفلام أخرى تتحدث عن الإرهاب الدولي، والعلاقة مع الآخر والسلام العالمي، بأسلوب مباشر، ومعالجات هزيلة.

تدور أحدث الفيلم -الذي شارك في المسابقة الدولية لمهرجان برلين السينمائي الدولي، وعُرض بمهرجان القاهرة السينمائي قبل أيام، ضمن برنامج تكريم السينما الجزائرية- عقب التفجيرات الإرهابية التي شهدتها لندن عام 2005، وراح ضحيتها العشرات من مختلف الجنسيات والألوان.. حيث نتابع رحلة إحدى الأمهات الإنجليزيات من قريتها إلى العاصمة، بحثا عن أية أخبار عن ابنتها "جينالتي انقطعت أخبارها منذ حدوث التفجيرات.

وبشكل متواز نتابع رحلة الأب الإفريقي عثمان، الذي يصل إلى لندن من باريس للسؤال أيضا عن ابنه "عليالذي انقطعت أخباره هو الآخر منذ الحادث الإرهابي.

وبهدوء شديد ودراما مركزة تتقاطع خطوط البحث عن الشاب الإفريقي الأسود والفتاة الإنجليزية البيضاء؛ لنكتشف أنهما كانا على علاقة حب، وأن جين كانت تتعلم العربية من أجل التواصل مع علي، وأنه ربما كان قد أقنع جين بأن تتحول إلى الإسلام!.

في البداية يبدو موقف الأم البيضاء واضحا من كل ما هو ملون أو عربي أو إسلامي؛ فهي نموذج للمرأة الغربية التقليدية.. في الأصل فلاحة إنجليزية تعمل بأرضها وتحافظ على صلاة الأحد ولكنها تشعر -ربما نتيجة الجهل وعدم الخبرة- بالخوف من كل من هو ملون أو عربي.. على اعتبار أن الإرهاب إما إسلامي أو قادم من الملونين.

ويتبلور هذا الخوف في نظراتها وردود أفعالها منذ أن تكتشف أن ابنتها تقيم في منزل شخص جزائري.. بل وتتساءل مستنكرة عندما تعلم أن ابنتها تتعلم العربية (ومن يتحدث العربية أصلا؟وذلك بمنطق التعالي العنصري والجهل الأممي.. ثم يصل هذا الخوف بل والكره إلى ذروته عندما يتقاطع خط الجنايني الإفريقي العجوز عثمان الذي يبحث عن ابنه مع بحثها عن ابنتها المختفية.

بهدوء تتضح الرسالة الدرامية للفيلم.. فهو ليس فيلما بوليسيا حول رحلة بحث أم عن ابنتها.. وهو ليس فيلما ميلودراميا عن فقدان أم وأب لأولادهما في حادث إرهابي.. ولكنه فيلم عن العلاقة مع الآخر، وكيف أن الغربي يحتاج إلى إعادة صياغة أفكاره ومعطياته النفسية عن اختلاف اللون والعرق والدين.

فالأم الإنجليزية البيضاء التي تبدو عنصرية جدا في كل ما يتعلق بالآخر الملون.. تتغير نظرتها تدريجيا إلى الأب الإفريقي الأسود عندما تتكشف طبيعته الهادئة المؤمنة الرزينة.. وبعد أن تبلغ الشرطة عنه في البداية عندما يتصل بها لكي يبلغها بأن ابنه وابنتها صديقان، ويريها صورتيهما سويا.. هنا يتحول موقفها إلى أن تدعوه للإقامة في نفس الشقة التي كانت تقيم فيها جين مع علي، ويصبح هم البحث مشتركا وواحدا.

وبعد أن تنفرج الأزمة ويتصور الأب الأسود والأم البيضاء أن ابنيهما بخير، وأنهما يقضيان عطلة في باريس.. تتكشف الفاجعة الحقيقية.. فالشاب والفتاة لقيا مصرعهما في الانفجار الإرهابي، ولم يبق من جثتيهما شيء سوى بعض الرفات الذي تتعرف من خلالها الشرطة على الحمض النووي لكل منهما.

وهنا تكتمل الرسالة الفنية.. فالإرهاب لم يفرق بين علي الأسود المسلم وجين البيضاء المسيحية.. وأيا كان من نفذ تلك التفجيرات فهو بلا شك له أغراض أخرى غير الجهاد على المستوى الديني أو العدل الاجتماعي على المستوى الإنساني، وهما الشعاران الذي يرفعهما كل من يقتل الناس باسم الكفاح.

"نهر لندن" هو إنتاج إنجليزي-جزائري.. لكنه في الحقيقة نموذج للفيلم العالمي الهوية، وهو علامة مميزة في تاريخ السينما الجزائرية والإنتاج المشترك.. نتيجة لكونه نموذجا لكيفية قيام السينما بدور ثقافي وسياسي في هذا الظرف التاريخي الصعب الذي يعيشه المسلمون والملونون، وكل من يُتهم بالإرهاب نتيجة أغراض سياسية واقتصادية حقيرة.

فمن خلال تفاصيل درامية صغيرة استطاع بوشارب أن يصيغ مضامين كثيرة دون ضجة أو افتعال.. لقد جعل الأم البيضاء فلاحة إنجليزية والأب الأسود "جناينيا إفريقيًّا".. أي أن الاثنين يعملان من أجل استخراج الخير من باطن الأرض.. إن الفلاحة والجنايني هنا وجهان لعملة واحدة لا علاقة لها بلون أي منهما.

كما عمد إلى أن يكون اللون الذي يغلب على الفيلم، والذي تتحرك فيه الشخصيات، رماديا.. تبدو فيه ألوان العرقيات المنتشرة بشوارع لندن كلها واحدة.. فلون الفيلم الأساس يميل إلى الرمادية -وهو أيضا لون عاصمة الضباب لندن- وليس إلى الألوان الزاهية، وهي رسالة بصرية واضحة.

فالرمادي هو خليط الأبيض والأسود.. ومشكلة الأب والأم ليست في كونهما مختلفين لونيا أو عرقيا.. بل في فقدان كل منهما لفلذة كبده على يد من يحاولون استخدام الفروق اللونية والعرقية لمصالحهم الخاصة.

إن اختيار لندن كمكان للأحداث، واختيار توقيت التفجيرات الإرهابية كزمن للفيلم، هو اختيار شديد الذكاء والفنية.. فلندن هي ملجأ العشرات من أعضاء الحركات الإرهابية في العالم، ومن الفارين من العدالة الدولية. والتفجيرات التي شهدتها كانت أكبر دليل على أن السحر انقلب على الساحر، وأن "الحية" التي تأويها في صدرك سوف تلدغك بمجرد أن تشعر بالدفء. إلى جانب تفصيلات أخرى تبدو غير ملفتة لكنها مهمة في الحقيقة.

فضابط المباحث الذي يحقق في القضية مسلم على رغم أنه إنجليزي.. والمحجبات بل والمنقبات ينتشرن في شوارع لندن، وهن يمارسن حياتهن بشكل طبيعي.

هكذا يقدم بوشارب فيلمه دون اللجوء إلى أي حيل درامية تعيق سرد الأحداث ببساطة.. وعلى رغم أن كلا الشابين "علي وجين" لم يظهر أبدا.. إلا أن حضورهما بالصور، وبطبيعة العلاقة التي نشأت بين أم جين ووالد علي، جاءت شديدة التأثير على المتلقي.

إذ جعلنا الفيلم نتعلق عاطفيا بالشابين الصغيرين، ونفرح عندما نتصور -مثل والديهما- أنهما على قيد الحياة.. ثم نتفجع كالأم الثكلى والأب المكلوم عندما تصدمنا حقيقة أنهما راحا ضحية انفجار إرهابي مدبر.. وذلك لمجرد أنهما تواجدا في المكان الخطأ والزمن الخطأ.