EN
  • تاريخ النشر: 19 أبريل, 2010

فائز بجائزة مهرجان الخليج عن جدارة "ضربة البداية" يوحد العراقيين بكرة القدم

لم يكن فوز الفيلم العراقي "ضربة البداية" بالجائزة الأولى لمهرجان الخليج السينمائي في دورته الثالثة التي اختتمت أعمالها قبل أيام في دبي مرجعه ضعف مستوى الأفلام المنافسة في المسابقة، بل سببه أنه فيلم شديد الرهافة والتميز فنيا وإنسانيا، بالإضافة إلى كونه نابعا من هَمّ سياسي وملموس بالنسبة لنا كعرب عموما وللعراقيين خصوصا، يتمثل في كيفية تحقيق الوحدة فيما بينهم، والقضاء على التمزق والتشرذم، حتى لو كانت البداية لذلك من ملعب لكرة القدم.

  • تاريخ النشر: 19 أبريل, 2010

فائز بجائزة مهرجان الخليج عن جدارة "ضربة البداية" يوحد العراقيين بكرة القدم

لم يكن فوز الفيلم العراقي "ضربة البداية" بالجائزة الأولى لمهرجان الخليج السينمائي في دورته الثالثة التي اختتمت أعمالها قبل أيام في دبي مرجعه ضعف مستوى الأفلام المنافسة في المسابقة، بل سببه أنه فيلم شديد الرهافة والتميز فنيا وإنسانيا، بالإضافة إلى كونه نابعا من هَمّ سياسي وملموس بالنسبة لنا كعرب عموما وللعراقيين خصوصا، يتمثل في كيفية تحقيق الوحدة فيما بينهم، والقضاء على التمزق والتشرذم، حتى لو كانت البداية لذلك من ملعب لكرة القدم.

يبدأ المخرج المولود في كردستان العراق شوكت أمين كوركي فيلمه بلقطة افتتاحية مكتوب عليها "كركوكليضعنا مباشرة ودون أي مقدمات في ملعب الأحداث.

مصطلح "ملعب" هنا ليس مجازيا أو إنشائيا لكنه التعريف الحقيقي للمكان الذي تدور فيه أحداث الفيلم.. إنه ملعب كرة قدم بكركوك، بعد سقوط نظام صدام حسين واحتلال العراق؛ حيث تعيش فيه وبشكل "عشوائي" جدا مجموعة من الأُسر التي هربت من جحيم الحرب والهجمات الإرهابية على الأسواق وأماكن العبادة، التي يسقط فيها العشرات من الأبرياء كل يوم.

في هذا الملعب نتعرف على حياة اللاجئين الذين بنوا بيوتا من الصفيح في الملعب، واتخذوا من أركانه مأوى لهم ولعائلاتهم ولحيواناتهم في حياتهم البالية التي ضيعتها الديكتاتورية والاحتلال.

وتأتي دلالة ملعب كرة القدم من بداية الفيلم كهجوم على المشاهد لكي يستغرق في هذا العالم البائس وغير الآدمي لتلك الأُسر؛ إذ يتخذ دلالة سياسية وإنسانية، فليس كركوك فقط التي أصبحت ملعبا للكثير من القوى والتيارات ولكن العراق بأكمله كذلك، وبالتالي يمنح وجود تلك الأُسر في الملعب بطلنا "آسو" الفكرة التي سيحاول بها من خلال الأحداث أن يلم شمل كل الطوائف العراقية التي مزقتها سنوات من التفرقة والاحتلال.

على الرغم من بؤس الحالة المعيشية والإنسانية التي نلمسها في المشاهد الأولى للفيلم؛ مثل نقص الماء والوقود وحالات التطاحن بالأيدي والسلاح للحصول على تموين الماء الأسبوعي، إلا أننا نشعر طوال الوقت بأن هؤلاء البشر يحاولون أن يتجاوزا واقعهم المأساوي من خلال حالة سخرية من هذا الواقع، ما يصبغ الأحداث كلها بشيء من الكوميديا السوداء التي تجعلنا نضحك مع مواقف كثيرة يعيشها بطلنا آسو وصديقه البدين، في أجواء تذكرنا بأجواء المخرج العالمي أمير كوستوريتشا في معظم أفلامه.

وربما في لحظة معينة من الأحداث يخرج بنا الفيلم من الأسئلة الخاصة عن العراق إلى الإجابات العامة عن الوضع العربي.. بل نشعر لوهلة أننا أمام صورة لحياة المخيمات الفلسطينية مثلا.. لولا اختلاف اللغة والخروج من الخاص للعام، وهو ذروة من الذرى الفنية التي تحاول السينما والدراما دائما الوصول لها، خصوصا عندما تبدأ قصة الحب بين آسو وهيلين تنمو ببطء وفي صمت؛ إذ يخشى البوح بالكلام لكن عبر نظرات مشحونة بصنوف المشاعر وألوانها الرقيقة.

في محاولة منه للخروج من نفق التشاحن العرقي المضني يتفتق ذهن آسو في لحظة من اللحظات، وربما بتأثير الطاقة الإيجابية التي انطلقت بداخله مع تفتح مشاعره ناحية هيلين عن فكرة إقامة دوري كرة قدم بين ثلاث فرق مكونة من أبناء أُسر اللاجئين في الملعب؛ حيث يتكون فريق من الأكراد، وفريق من الترك، وفريق من العرب.

ويتحول مجهود الجميع في محاولة مستميتة لصناعة هذا الدوري الكروي الذي يتخذ دلالة سياسية واجتماعية وإنسانية واضحة وطريفة، فما تفرقه السياسة تجمعه كرة القدم، أو بمعنى أصح.. ما تفشل السياسة بقصر نظرها ولا موضوعيتها في صناعته يمكن ببساطة لِلعبة مثل كرة القدم أن تجمعه.

ولا يتوقف الفيلم عند هذه الحدود الواضحة للدلالات؛ إذ يتعمق في حال نقد للذات من خلال دوري المظاليم هذا، فبمجرد أن تبدأ المباريات تبدأ الاختلافات العرقية والعنصرية بين فئات الشعب في الظهور، فالأتراك يرفضون أن يكون الحكم هو آسو؛ لأنه كردي ويخشون تحيزه للفريق الكردي المنافس لهم، فيضطر آسو إلى الاستعانة بالمصور الأجنبي الذي جاء مع كاميرا تلفزيون كردستان لتصوير المباريات كحكم محايد -دوليوطبعا يصبح لهذا الأمر دلالة سياسية واضحة، وتصبح المباريات حالة من التفاعل العرقي بين مختلف الطوائف العراقية في مرحلة ما بعد صدام.

على الرغم من أننا لا نرى أيا من جنود الاحتلال الأمريكي طوال الفيلم إلا أننا نشعر بوجودهم مثل ظل ثقيل على الأرض يأتي من السماء.. وبالتحديد من تلك الطائرة الهليكوبتر التي تحلق طوال الوقت فوق كركوك لترصد وتراقب وتهاجم مواقع المقاومة.

هذه الطائرة التي يهاجمنا صوت مروحتها وتذكرنا كثيرا بالطائرة الإسرائيلية التي كانت تحلق طوال الأحداث في فيلم "عيد ميلاد ليلى" للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، التي لم نرها ولكن صوتها وحركاتها فوق الشخصيات كانت تعطينا إحساسا دائما بثقل وطأة الاحتلال واستباحته السماء من فوق شخصيات الفيلم.

إن طائرة مشهراوي نشعر بأنها تحلق هنا أيضا فوق ملعب كرة القدم بكركوك بينما نسمع أصوات الانفجارات الناجمة عن التفجيرات الإرهابية التي تستهدف المدنيين في الأسواق.

هذه التفجيرات التي تبدو بعيدة عن ملعب الكرة وعن الواقع البسيط الذي يعيشه هؤلاء اللاجئون يوما بيوم.. تصبح هي المصيدة التي يقع فيها آسو عندما يغادر الملعب لإحضار كرة بدلا من تلك التي تضيع في أثناء المباريات، لتنتهي حياة الشاب الجميل صاحب النظرة الملونة الحالمة الذي كان يتمنى أن يرى الوحدة والوئام تسود بلده، أو حتى على الأقل هذا الملعب الذي كان يعيش فيه.

لكن موت آسو هنا ليس موتا مجانيا خصوصا عندما نربطه بعنوان الفيلم "ضربة البدايةفمباراة توحيد عناصر الأمة تلزمها ضربة بداية، وقد بدأها آسو في كركوك.. فمن سوف يكملها هذه المرة في الواقع؟