EN
  • تاريخ النشر: 16 نوفمبر, 2011

"شجرة الحياة".. لا نجاة من الفيلم إلا بالاستسلام له

fan article

زياد عبدالله

إشادة بفيلم "شجرة الحياة" لتيرانس مالك المعروض حاليًا في دور العرض الإماراتية

  • تاريخ النشر: 16 نوفمبر, 2011

"شجرة الحياة".. لا نجاة من الفيلم إلا بالاستسلام له

( زياد عبدالله ) لا أريد لهذه اللقطات أن تتوقف، والحياة تمر كاملة موزعة بينها، لا شيء إلا "المونولوج" وحين يحضر الحوار فإنه يأتي من طرف واحد، ما من مجيب في الطرف الآخر، إنهم موزعون بالتساوي بين حيوات اختيرت لهم، إنه السقوط من جنة وهمية، بعد اكتشاف كل واحد منهم أنه حبيس حياة لا تشبهه، حياة تأخذه حسب مشيئتها وفي صراعه معها لا يمتلك فيها إلا مناجاة الخالق.

الرغبة بألا تتوقف اللقطات حاضرة بقوة مع فيلم The Tree of life (شجرة الحياة) لتيرانس مالك المعروض حاليًا في دور العرض المحلية، والمكلل بسعفة كان الذهبية، ولعل هذا الفيلم الذي طال انتظاره يأتي بعد ست سنوات على آخر أفلام مالك "العالم الجديد" ،2005 ولعل استعادة أفلام مالك بدءًا من أول أفلامه الروائية الطويلة GC Badlands 1973 مرورًا بـ Days of Heaven "أيام الجنة" 1978 وصولًا إلى Red Thin Line "خط أحمر رفيع" 1998 سيضعنا أمام تنقلات متصلة ومنفصلة في آن واحد في مسيرة هذا المخرج الكبير، حيث على "باد لاندز" أن يكوّن مزاوجة بين براءة الحب وبراءة الجريمة، والعبور بذلك من خلال الرهان على الشخصيات أي هولي وكيت، والبنية الاجتماعية الأميركية التي تفضي بكيت إلى قتل كل من يعترض طريقه بمنتهى السذاجة والبراءة، الوصفان اللذان يلتقيان وللمفارقة مع الوحشية. وقبل مواصلة هذا العرض السريع لأفلام مالك قبل "شجرة الحياةفإنه من الممكن التوكؤ على توصيف كتبه الناقد الانجليزي نيك جيمس في مجلة "سايت آند سوند" عن أفلام مالك هو أن "الجسر الواصل بين جميع أفلامه أن كل فيلم هو تعبير عن سقوط الإنسان من الجنة" ولعل الموافقة على هذا التوصيف هي الجامع الوحيد ربما بين تلك الأفلام، كونه وفي كل واحد منها يقارب عالمًا جديدًا، يكون فيه بـ"باد لاندز" وقوعًا من جنة الحب، بينما تجد الأخت وأخوها في "أيام الجنة" مساحتهما الفردوسية بين سنابل القمح التي سينال منها الحريق وتنقلب الجنة إلى جحيم، بينما في "خط رفيع أحمر" الحرب كفيلة بتولي سقوط الإنسان من جنة السلام الواهية، ومع "العالم الجديد" يبدو تخلي بوكوهنتا عن حياتها البدائية سقوطًا أيضًا من النعيم.

المتصل بين "عالم جديد" و"شجرة الحياة" سيكون هذه السردية البصرية التي تتعقب طائرًا محلقًا أو فراشة تحط على يد أم قبل أي شيء آخر، وفتح الباب على مصراعيه أمام آلية التصوير التي يتبعها مالك، بحيث يدع لطاقم عمله أن يصور ويصور إلى ما لا نهاية، كما أنه أثناء التجهيز للقطة وتجميع عدد من الممثلين والكومبارس لهذا الغرض فإن مالك وبسهولة قد يعدل عن هذه اللقطة ويطلب من طاقمه تصوير طائر يحط على غصن شجرة بدل ذلك، كما يخبرنا ايمانويل لوبزكي مدير التصوير في "العالم الجديد" وفي "شجرة الحياة". أطمح من خلال ما تقدم إلى تزويد المشاهد ببعض من الخلفية التي عليه مقاربة فيلم "شجرة الحياة" من خلالها، والذي سيكون حين مشاهدته أمام قطعة فنية لا مثيل لها، إن السردية التي يقدمها مالك في هذا الفيلم هي بحق معبر جمالي منحاز تمامًا لما على السينما أن تكون عليه، إن اللقطة والتصوير دون إضاءة إلا الإضاءة الطبيعية سيكون عبورًا أكيدًا نحوه، وإن هذه الشجرة التي تنغرز عميقًا في التربة، هي شجرة سينمائية أيضًا لها أن تنمو وتعلو على مر السنين. لا يمكن الحديث عن الفيلم عبر سرد أحداثه على سبيل المثال، إنه حدث واحد، إنها عائلة واحدة تفقد أحد أبنائها، وبناء عليه سيكون كل ما نراه هو تكثيف للحياة بكل معانيها، الولادة، الموت، الأم، الأب، الأبناء، الخلود، الفناء، القدر، الإرادة، الفشل، النجاح، الوهم، الحقيقة، علاقة الإنسان مع الخالق، الإيمان، الكفر، الأسئلة الوجودية، ولعل في تعداد ذلك أكون قد نسيت أشياء كثيرة، لكن يمكن تعقبها في اللقطات التي تتولى سرد كل شيء بفرح وحزن، ولنكون في النهاية أمام فيلم يسعى لأن يختزل الحياة، وصولًا إلى شون بن الذي سيكون حبيس الابنية الحديثة والحضارة وهو لا يجد مخرجًا له سوى الماضي. وإن كان الحديث عن درامية في الفيلم، فهي ماثلة بما يشبه الحياة تمامًا، إنها وقوعنا في الصغر على أول رجل نراه مكبلًا بالأصفاد، إنها في غرق صديق، إنها في العلاقة الملتبسة في أب (براد بيت) يسأل ابناءه أن يخاطبوه بـ"سيدي" وهو يجمع بين الرقة والقسوة، بين الحب الكبير وسوء الأدوات التي يسعى إلى إيصاله من خلالها، والذي سرعان ما سيكتشف بطلان كل شيء، ولسان حاله يقول "كله قبض الريح" هو الذي لم يتخلف يومًا عن عمله، وبدل أن يصبح عازفًا موسيقيًا شهيرًا أمسى عازف أرغن في الكنيسة. حنان الأم في الضفة المقابلة، إنها هي من وهبت كل حياتها لله، إنها هي نفسها من سيأخذ مالك بحزنها ويجعله معبرًا إلى نشأة الكون، صراعاته، حممه وبراكينه وعوالمه، وفي هذا السياق لن يكون الأمر مشابهًا لـ"أوديسة الفضاء" لدى ستانلي كوبريك، كما لمقارنات كثيرة سارت في هذا الاتجاه، وربما هناك شيء بصري أقرب إلى غسبار نوا في فيلمه Inter The Voi لـ"دخول الفويد". "شجرة الحياة" لا يشاهد إلا في السينما، أو للدقة يمكن مشاهدته على "دي في دي" بعد مشاهدته في السينما، إنه فيلم يقول لنا إن الفن السابع بخير في هذا العالم المترامي، إنه يقول: كم هي وجيزة وحزينة تلك الحياة، وكم من الفرح والوهم الذي علينا أن نعيشهما لنصل تلك الحقيقة؟ تكفي مأساة موت ابن في الـ19 من عمره ليقال كل ذلك.

* نقلا عن الإمارات اليوم