EN
  • تاريخ النشر: 07 فبراير, 2010

ومضة فنية جديدة يطلقها داود عبد السيد "رسائل البحر".. طبيب متلعثم يفضح تغير المجتمع المصري

الفيلم يتناول علاقة المخلوق بالله وتشريح المرأة والواقع الاجتماعي

الفيلم يتناول علاقة المخلوق بالله وتشريح المرأة والواقع الاجتماعي

بين الحين والآخر يبرق فيلم يعيد للسينما المصرية تواجدها العريق عبر الساحة العربية والعالمية، وفي الوقت نفسه يمنحنا قدرًا من الارتياح للرهان على أن غدها أفضل. هذه المرة جاء المخرج المصري "داود عبد السيد" بفيلمه "رسائل البحر" بعد غياب تسع سنوات عن الساحة لنرى أمامنا سينما بحق وحقيق، عبر مخرج لديه "هم، وموقف، ووجهة نظروقبل ذلك لديه أدوات صناعة فيلم، شهد العرض الأول له بدور العرض قبل أيام فقط.

  • تاريخ النشر: 07 فبراير, 2010

ومضة فنية جديدة يطلقها داود عبد السيد "رسائل البحر".. طبيب متلعثم يفضح تغير المجتمع المصري

بين الحين والآخر يبرق فيلم يعيد للسينما المصرية تواجدها العريق عبر الساحة العربية والعالمية، وفي الوقت نفسه يمنحنا قدرًا من الارتياح للرهان على أن غدها أفضل. هذه المرة جاء المخرج المصري "داود عبد السيد" بفيلمه "رسائل البحر" بعد غياب تسع سنوات عن الساحة لنرى أمامنا سينما بحق وحقيق، عبر مخرج لديه "هم، وموقف، ووجهة نظروقبل ذلك لديه أدوات صناعة فيلم، شهد العرض الأول له بدور العرض قبل أيام فقط.

هكذا جاء "داود" محملاً بكل هذه الطاقة المخزونة إلى "رسائل البحر" مع أبطاله الجدد "آسر ياسين" و"بسمة" ليقدم رؤية تحمل وميض الفلسفة في العلاقة بين الإنسان وخالقه، وأيضًا رؤية اجتماعية للواقع الذي يعيشه الناس في مصر، ولا يخلُ الأمر من موقف سياسي يعلن عن نفسه في تفاصيل الفيلم.

بطل الفيلم طبيب مع إيقاف التنفيذ.. إنه لا يمارس المهنة التي درسها لأنه مصاب بداء التلعثم، فكيف يصف لمريض الدواء؟ إن التخاطب بين المريض والطبيب يحتاج إلى أن ينطلق لسانه في تقديم المعلومات الضرورية له، إلا أنه يفقد هذه القدرة، لكنه يتذكر كيف أن زملاءه من الأطباء والممرضات وأيضًا المرضى كانوا يضحكون أو يشرعون في الضحك وهو يتحدث إليهم!

بل لا ينسى موقف الأسرة -خاصة أباه الذي رحل وهو يعتقد أنه عار على الأسرة- نعم نجح بتفوق في كلية الطب لكنه لم يستطع أن ينتصر على تلعثمه!

اختار "داود" للبطل مهنة جديدة هي الصيد، فمنها صار يتكسب ويعيش.. يلقي بالسنارة للبحر كل يوم، ومن خلال الرزق الذي يمنحه له الله يكسب، وعن طريق المقايضة يستطيع مواصلة الحياة.

تأتيه بين الحين والآخر حوالة مالية من شقيقه في أمريكا، وقد تتأخر قليلاً.. نظام المقايضة بالسمك هو الأساس في تعامله مع الجميع.. المرأة في حياته نراها في صورتين: ابنة الجيران التي تربى معها، وتؤدي دورها الوجه الجديد "سامية أسعدوهي تعمل خياطة.

وفتاة أخرى التقى بها مصادفة في الشارع، وكان يعتقد أنها فتاة ليل، وظل حتى النهاية أسير هذا الاعتقاد.. ومن خلال هذه الشخصية التي تؤديها "بسمة" يطرح "داود" فكرة الزواج الشرعي الذي يصبح مجرد إطار رسمي وديني لكنه لا يعني في عمقه قيمة الزواج؛ إذ إن "بسمة" هي الزوجة الثانية لأحمد كمال، الذي يلتقي بها مرة في الأسبوع بالإسكندرية، بينما هو حياتها كلها في القاهرة.

هي مجرد امرأة للمتعة "الشرعيةولهذا لا تصادر على رأي "آسروهو يعتقد أنها فتاة ليل يمنحها عشرة جنيهات، وبالباقي سمك في أول ليلة تجمعهما.. الشخصية التي تقف في هذه الدائرة هي "قابيل" الذي أدى دوره "محمد لطفي" فهو رجل أمن أو "بودي جارد" يعتمد فقط على ملامحه الجسدية، لكنه لا يشارك في أي معركة، وقد آثر ألا يضرب أحدا، لأنه يتذكر معركة قديمة له عندما اضطر إلى ضرب ثلاثة أشخاص، مات واحد منهم، ولم ينس ملامحه أبدًا، وبعد خروجه من السجن قرر ألا يفعلها مرة أخرى، كأنه ترديد لنموذج "قابيل" الذي قتل أخاه "هابيل".

يطرح "داود" هذا السؤال: ماذا لو امتدت الحياة بقابيل، هل كان سيعاود القتل؟ "داود" أجاب سينمائيًا بـ: لا.. وهذه هي الحكاية التي تعيشها كل الشخصيات الرئيسة في الفيلم.

ولا ننسَ المرأة الإيطالية التي أدت دورها "نبيهة لطفي" في الفيلم، وكيف أنها قررت الهجرة مرة أخرى بعيدًا عن بلدها.

"رسائل البحر" إذن رسالة نراها في بداية الأحداث داخل زجاجة بلاستيكية يمسك بها بحار ثم يلقيها مرة أخرى حتى تصل إلى بطل الفيلم "آسر يسنويبدأ في قراءتها، ويكتشف أنها بالحروف اللاتينية، وبلغة غير مستخدمة، لذا يعجز عن فك طلاسمها، إلا أنها تظل كأنها تحمل قدرًا من الغموض، لكنها تعني أنها رسالة خاصة له.

الشقة التي يقيم فيها يحاول صاحب البيت إخراجه منها لكي تصبح "مول" ضخما، لكنه يرفض الاستسلام على الرغم من تعرضه للضغوط، ولملاحقة البواب كلما صعدت إليه "بسمةوتنتهي الأحداث بأن نرى "بسمة" و"آسر" في وسط البحر، وحولهما الأسماك الميتة بفعل الديناميتلأن "صلاح عبد الله" المالك الجديد للبيت يستخدم الديناميت في اصطياد الأسماك فيقتله.. لنرى الكاميرا، وهي تطل من أعلى على هذا الحدث لتمنح قدرًا من المقاومة بالرغم أن الموت يحيط بهم؟!

حالة إبداعية خاصة برع في نسجها "داود عبد السيدكما أنه منح ممثليه أفضل أدوارهم، وصعدوا بها خطوات؛ "آسر ياسين" يضعه هذا الدور لا شك في دائرة النجم الممثل؛ إذ إن التلعثم الذي يؤدي به الشخصية يصبح موازيًا للتلعثم في علاقته مع الحياة بكل مفرداتها.

"بسمة" أجادت تجسيد دور المرأة المتمردة على الوضع الاجتماعي الذي يحيط بها كامرأة شريفة متزوجة، في حين أن بداخلها إحساسا مسيطرا عليها بأنها تبيع نفسها.. إنها في داخلها تعتبر نفسها داعرة برغم أنها ليست كذلك في نظر المجتمع.

"محمد لطفي" يقدم واحدًا من أفضل أدواره بأداء يعلو به للقمة، بينما اتسمت الوجه الجديد "سامية أسعد" في دور الفتاة الإيطالية في أدائها بدرجة تلقائية عالية، وأجادت "دعاء حجازي" في دور حدود الدور كصديقة، وكانت "نبيهة لطفي" في حالة ألق فني خاص.

ديكور "أنس أبو سعد" كان نجمًا، كما أجاد مدير التصوير "أحمد المرسي".. وباختصار فإن فيلم "رسائل البحر" هو أحد دُرر السينما المصرية القليلة جدًا في واقع سينمائي نادرًا ما يسمح بأن تومض فيه اللآلئ!