EN
  • تاريخ النشر: 08 مارس, 2010

يعري اليهود والمجتمع الأمريكي "رجل جاد".. الفيلم "الناجي" من جنة الأوسكار!

الفيلم انطوى على كوميديا سوداء تبرز علاقة الإنسان بالدين والقانون

الفيلم انطوى على كوميديا سوداء تبرز علاقة الإنسان بالدين والقانون

كثيرا ما يميل صنّاع السينما الأمريكية إلى تجميل وتزيين شخصية اليهودي في أفلامهم، وقلما نجد فيلما كاملا يتعرض للشخصية اليهودية بالنقد إلا شيئا يسيرا في مشهد هنا أو هناك.

  • تاريخ النشر: 08 مارس, 2010

يعري اليهود والمجتمع الأمريكي "رجل جاد".. الفيلم "الناجي" من جنة الأوسكار!

كثيرا ما يميل صنّاع السينما الأمريكية إلى تجميل وتزيين شخصية اليهودي في أفلامهم، وقلما نجد فيلما كاملا يتعرض للشخصية اليهودية بالنقد إلا شيئا يسيرا في مشهد هنا أو هناك.

إلا أن الوضع يختلف بالنسبة لفيلم "رجل جاد A Serious Man " للأخوين كوين؛ إذ يمكن القول إنه يتحدث عن اليهود بدون أي أغراض صهيونية سياسية، بل إن الفيلم تعرض لظلم بيِّن نظرا لخروجه من مسابقة الأوسكار خاوي الوفاض، مع أنه كان يستحق -على الأقل- جائزة أفضل سيناريو مكتوب مباشرة للشاشة، والتي ذهبت لفيلم "خزانة الألم" الذي اكتسح جوائز الأوسكار هذا العام، ليفوز بست جوائز كاملة، في نتيجة لا تخلو من الهوى السياسي!.

تتمحور أحداث الفيلم حول اليهودي الأمريكي وليام، مدرس الفيزياء بإحدى المدارس المرموقة، ورب الأسرة المكونة من داني المراهق في الثالثة عشرة من العمر، وسارة التي تكبره قليلا، وزوجته جوديث، وأخيه آرثر المقيم معه.

من خلال هذه الأسرة -التي تظهر كأنها مثالية جدا- نكتشف أننا أمام الشكل التقليدي للأسرة الأمريكية في فترة الستينيات، واختيار الفترة من قبل صناع الفيلم مهم جدا، فهي الفترة التي كان الحلم الأمريكي في أوجه بعد سنوات من الحرب العالمية الثانية، وقبل دخول حرب فيتنام وثورة الشباب في نهاية الستينيات حين كانت أمريكا تصدر صورة المنزل المحاط بحديقة خضراء وعربة حديثة وشوارع مشمسة كنوع من مقاومة الشيوعية ودعاوى الاشتراكية في غمرة فترة الحرب الباردة مع السوفييت.

لكننا نكتشف أن هذا اليهودي "الطيب" و"الجاد" يتحول إلى نموذج لمعاناة اجتماعية ونفسية رهيبة؛ إذ يتعرض لرشوة من تلميذ كوري لديه بغرض التجاوز عن رسوبه ومنحه درجة النجاح، لكنه يرفض الرشوة بكل إباء وشمم، فيتمادى التلميذ في المسألة، ويرسل له أباه ليقول له: إما أن تقبل الرشوة، أو نرفع عليك دعوى بتهمة أنك طلبت رشوة من الطالب؛ مما يمكن أن يعطل ترقيته بالفعل.

في الوقت نفسه نجد زوجته تطلب الطلاق لأنها على علاقة بصديق آخر لهم اسمه ساي، بل إنهم يريدونه أن يغادر منزل الأسرة الذي لا يزال يدفع أقساطه، لكي يتزوج فيه العشيق زوجته من أجل أن تستمر الحياة بالطفلين دون معاناة أو توتر.

ومن هنا تتحول حياة هذا الرجل -الذي اختار له صناع الفيلم ممثلا بوجه بريء جدا شديد الطيبة- إلى أن تصبح كابوسا رهيبا، بينما هو شخص مسالم لا قبل له بدخول أي نزاعات.

سؤال مهم جدا يجب طرحه بينما نتابع أحداث هذه الكوميديا السوداء، فلا يبدو من الفيلم أنه يحاول أن يجعلنا نتعاطف مع اليهود، بأن يظهر لنا شخصية رب أسرة يهودي يعاني من مشكلات اجتماعية.

أولا: لأنه لا يعاني من هذه المشكلات بسبب يهوديته، ولا يعاني من أي اضطهاد سياسي أو عرقي؛ بل على العكس فهو يعيش في مجتمع يتقبله جدا، ويمنحه كل شيء، ولا يفرق بينه وبين الآخرين على أساس ديانته أو عرقه، بل لو تم تغيير ديانة البطل من يهودي إلى مسيحي لما اختلفت كثيرا معاناة الشخصية؛ سواء على المستوى المهني أو الأسري.

لكن تظل هناك نقطة واحدة فارقة في هذا الأمر، وهي جزء من طبيعية الشخصية اليهودية، وظهرت في كثير من الأدبيات العالمية، سواء مع اليهود أو ضدهم؛ ألا وهي تقديمهم بنوع من المسكنة أو الرغبة في تجنب المشكلات، والتقوقع حول ذواتهم في "جيتو" نفسي أو مادي.

بل إنه في النصف الثاني من الفيلم وعندما يبدأ البطل يعاني من كوابيس مستمرة نتيجة المشكلات التي يعيشها؛ تبدأ عقدة الاضطهاد اليهودية المعروفة والمتأصلة في ذوات أغلب اليهود في الظهور بأحلامه عندما يرى جاره الأبيض (الآري) يقتل أخاه آرثر، ثم يشير الجار إلى ابنه في الحلم ويقول له: (انظر يا بني.. هناك يهودي آخر هناك.. هيا اقتله).

وفيما عدا ذلك يمكن أن نرى في الفيلم الكثير من مظاهر السخرية من عقيدة اليهود، ولكن -بنظرة موضوعية- نكتشف أنها ليست سخرية من اليهودية نفسها، ولكنها نظرة علمانية لعلاقة الدين بالمشكلات الاجتماعية التي يعاني منها الفرد في المجتمعات الحديثة.

يتحول صراع البطل في الفيلم إلى صراع وجودي وفلسفي ضد حالة من الحيرة الشديدة نتيجة كل المشكلات التي يعاني منها؛ فأخوه آرثر يتورط في قضية قمار، ثم في قضية لواط، وزوجته تريد الحصول على الطلاق، وابنه الأكبر يورطه في متاعب مادية، وتلميذه يرغب في تحريك قضية رشوة ضده.

وإذ بوليام يقرر اللجوء إلى الكيانين اللذين من المفترض أن يهديا الإنسان ويرشداه إلى طريق الصواب في حيرته: الدين والقانون.

أما الدين فمن خلال الجلوس مع اثنين من الحاخامات، وعدم القدرة على مقابلة الثالث؛ يكتشف وليام -من وجهة نظر صناع الفيلم- أن رجال الدين لا يمكنهم حل كل المشكلات، بل إنهم يتركون الحديث في المشكلة، وتتحول جلساتهم إلى وعظ أو قصص غامضة، لا يخرج منها المستشير في النهاية بأي عبرة سوى أن "لله في خلقه شؤونوأن ما نعلم أقل بكثير مما لا نعلم، وأن القدرة الإلهية تسير بشكل غامض، وأن علينا أن نتقبلها مهما تعذبنا أو حيرتنا الأسئلة الكونية الكبرى أو الصغرى.

وبالتالي لا يجد وليام ضالته في الدين (اليهودية) فيتجه إلى القانون؛ فإذ بالمحامين لا يختلفون عن رجال الدين في شيء باستثناء أنهم مهمومون بالتكلفة المادية للقضايا، وعدد الساعات التي سيقضونها في المحكمة دون أن يتمكنوا من حل أي مشكلة من مشكلات وليام.

فالقانون كيان هلامي يمكن أن يُستخدم لصالح الظالم والمظلوم على حد سواء، وهنا يقدم الأخوان كوين -صناع الفيلم- من خلال مواقف ساخرة جدا، وفي نفس الوقت سوداء جدا، نقدا اجتماعيا وسياسيا للمجتمع الأمريكي الذي يدعي أن القانون والأخلاق النابعة من العقائد السماوية يحكمانه.

وتأتي نهاية الفيلم أكثر سخرية وسوداوية عندما نرى إعصارا يتجه ناحية البلدة التي يقيم فيها وليام كرمز للنهاية المتوقعة، وتزداد النهاية مأساوية عندما يكتشف وليام أنه تحت ضغط الحاجة يقرر بالفعل قبول الرشوة بعد أن يفقد الأمل في الترقية، ولكن الترقية تجيئه بالفعل، وبعد أن يتلقاها بلحظات يتصل به طبيبه ليبلغه بأنه اكتشف شيئا في الأشعة التي أجراها وليام في بداية الفيلم.

هكذا يضعنا الأخوان كوين في مواجهة نهاية شديدة الفنية والدرامية، تجعلنا نرغب في إعادة مشاهدة الفيلم مرة أخرى على ضوء كل ما اكتشفناه، لتتخذ أحداثه وتفاصيله دلالات ومعاني أكبر وأعم بكثير من مجرد أن البطل "يهودي" في وقت تهاجم فيه الدولة اليهودية المسجد الأقصى، في محاولة لاقتلاعه من الوجود.