EN
  • تاريخ النشر: 23 أكتوبر, 2011

"دجاج بالبرقوق" يقتنص اللؤلؤة السوداء في مهرجان "أبو ظبي"!! يحذف يحذف يحذف

fan article

حفاوة نقدية وجماهيرية بالفيلم

الناقد طارق الشناوي يحلل في مقالة نقدية خاصة أسباب فوز فيلم "دجاج بالبرقوق" في مهرجان فينسيا السينمائي الدولي

  • تاريخ النشر: 23 أكتوبر, 2011

"دجاج بالبرقوق" يقتنص اللؤلؤة السوداء في مهرجان "أبو ظبي"!! يحذف يحذف يحذف

(طارق الشناوي – mbc.net) كانت المحطة الأولى لفيلم "دجاج بالبرقوق" هي مهرجان "فينسيا" في شهر سبتمبر الماضي؛ حيث لاقى الفيلم حفاوة نقدية وجماهيرية هائلة، ولكنه خرج خاوي الوفاض من الجوائز.. المحطة الثانية في "أبو ظبي" ليجمع بين الحسنيين جائزة الإقبال الجماهيري والنقاد؛ حيث حقق أعلى إيرادات في المهرجان، كما حظي بمتابعات نقدية هائلة وتوج أخيراً بالجائزة الكبرى "اللؤلؤة السوداء" أفضل فيلم في مهرجان"أبو ظبي" التي أعلنت مساء الجمعة الماضية.

اسم الفيلم يوحي على الفور بطبخة أغلبنا لم يتذوقها وربما كنت مثلاً من الذين لا يفضلون الدجاج أو البرقوق، إلا أنني أؤكد بأنه مهما كانت لك من ملاحظات سلبية على الوجبة الغذائية فسوف تستمع كثيراً بالوجبة السينمائية وستظل تتذكرها كثيراً لو أتيح لك أن تتذوق الفيلم فلن تنساه سوف يظل له مذاق خاص في وجدانك.. عندما شاهدته في بداية أيام المهرجان في حفل الساعة السادسة وكان في خطتي أن أواصل المشاهدة طبقاً لجدول العروض ذلك اليوم في فيلمين آخرين، إلا أنني لم أستطع شعرت بأنني لو فعلتها سأرتكب خيانة عظمى في حق الدجاج والبرقوق!!

المخرجة الإيرانية الجنسية "مورجان ساترابى" مع المخرج الفرنسي "فنسان بارانو" اشتركا في إخراج هذا الفيلم، حيث سبق وأن قدما معاً أيضاً قبل نحو خمس سنوات فيلم أثار غضب إيران عندما عرض في مهرجان "كان" وعنوانه "بيرسيوليس" وتعني "بلاد فارس" وحصلا على جائزة لجنة التحكيم كان فيلماً بالرسوم المتحركة واقتضت الرؤية الإخراجية تقديمه أبيض وأسود وفي بعدين فقط بدون تجسيم البعد الثالث.. كان الفيلم يروي حكاية تتماهى مع المخرجة في علاقتها بالثورة الإيرانية 1979 وكيف أنها توجهت لكبت المرأة بل قيدت حرية المجتمع الإيراني كله.. ناضلت المخرجة وسافرت وهي في الرابعة عشر من عمرها لتعيش خارج الحدود في النمسا ثم فرنسا ولكن لا تزال إيران في قلبها.. كان هذا هو العمق الفكري لفيلمها الأول وفي الثاني "الدجاج بالبرقوق" تواصل التعبير عن عشقها للبلد حتى قبل أن تولد!!

في فيلمها الجديد تعود إلى عام 58 وهو الزمن الواقعي للأحداث ولو اتسعت زاوية الرؤية وتجاوزت الحكاية المباشرة التي تروي فيها قصة عمها وعشقه للموسيقى لو حررت الزمان من قيوده والحكاية من شخوصها ستكتشف أنها تروي عشقها هي.. صحيح هي لم تعش واقعياً هذه المرحلة -ولدت بعدها بخمسة أعوام- ولكنك من الممكن أن ترى المخرجة التي شاركت أيضاً في كتابة السيناريو تروي مشاعرها تجاه وطنها من خلال حياة عمها البطل عازف الكمان الذي كان يبحث عن المرأة التي أحبها واسمها "إيران" ولكنه لم يستطع الزواج منها لأنه في عرف عائلتها مجرد موسيقي لا يستطيع توفير حياة كريمة لها وتزوج من أخرى هي التي أنجب منها طفلين وعاش عمره نادماً وهائماً يبحث عن حبه المستحيل.. الكمان كان هو الأداة التي من خلالها يسعى للوصول إلى الخط السحري الذي يقربه من موسيقى وسر الكون إنها الروح المقدسة التي يريد أن يلامسها.. كانت زوجته هي الواقع المؤلم الذي يعيشه مجبراً صوتها هو المعادل الطبيعي للنشاز الذي نتعايش معه كثيراً في حياتنا وكانت هي الكابوس المزعج لبطل الفيلم ولهذا حطمت الزوجة آلة الكمان التي حصل عليها من أستاذه وكانت هي عشقه الأثير فقرر أن يموت لأنه لم يبق له شيء يعيش من أجله .. الفيلم ينتقل في الزمن لنرى البطل في أيامه الأخيرة عندما حاول أن ينتحر حيث تبقى له سبعة أيام زيدت إلى ثمانية.. وقدم الفيلم هذه المشاهد التي تميزت بتعبير بصري وصوتي يثير الدهشة وامتزجت بخفة ظل عندما استخدم كل الأنواع الممكنة للانتحار وباءت كل محاولاته بالفشل فلم يسفر الأمر إلا عن مزيد من الخوف والتشبث بالحياة ووجد أن الحل هو استدعاء عزرائيل بدلاً من الذهاب إليه!!

الحالة التي يقدمها الفيلم أشبه "بالكوميكس" التي تجمع بين الرسوم والتعليق الحواري.. العناق بين الرسوم المتحركة والمشاهد التي يقدمها الممثلون يجوب الفيلم في تتابع لقطاته من قمة التراجيديا إلى ذروة الكوميديا ومن التشخيص المقيد إلى التجريد المنطلق وأبدع ممثليه وعلى رأسهم الممثل الفرنسي "ماثيو أمالريك" وزوجته التي أدت دور المرأة المسيطرة وتصل إلى حدود المرض العصبي "ماريا دي ميدروسا" ولا أدري كيف تخطت جائزة أفضل ممثل " ماثيو أمارليك"؟!

المشهد الذي يقترب فيه من النهاية عندما يرى المرأة التي أحبها ويقول لها هل أنت "إيران" تنكر نستمع إلي حفيدتها وهي تناديها يا جدتي لنكتشف كم مضى من السنين وتبتعد عن الأنظار وتبكي ثم نراها في النهاية تبكيه أمام قبره.. الفيلم يقدم الموت باعتباره حالة كوميدية حتى عزرائيل يبدو وكأنه مستوحى من عالم الطفولة يرتدي زيّاً أسود وله قرنان ينفذ التعليمات الصادرة إليه بحصد الأرواح بينما هو مغلوب على أمره.

لا يقدم الفيلم نقداً أو اتهاماً ضد الثورة الإيرانية لأن المرحلة الزمنية أبعد حيث نعيش الأحداث قبل الثورة بنحو 20 عاماً واختيار اسم البطلة "إيران" لا أراه محملاً بأبعاد سياسية هو فقط يحمل الحب لإيران فهي العشق الحقيقي.. الثورة الإيرانية ليست هذه هي قضية الفيلم حب إيران هو القضية ولهذا يروي الأحداث على طريقة "كان ياما كان" بمرح ومشاغبة وطفولة ولا تستطيع بعد أن تنتهي أحداث الفيلم سوى أن تحب الحياة وبقدر ما تحبها لا تخشى الموت.. أفلام قليلة هي التي تظل تشغل مساحة لا تمحى من مشاعرك مهما شاهدت قبلها وبعدها من أفلام و"دجاج بالبرقوق" واحد منها بالتأكيد مذاقه سيبقى كثيراً وربما من أجله سوف تغير رأيك لو لم تكن من عشاق الدجاج البرقوق وتجربه