EN
  • تاريخ النشر: 17 فبراير, 2011

مباراة بين الأداء لطبيعي المتدفق، والإخراج السلس "خطاب الملك" وتنحي مبارك.. التلعثم في الوقت العصيب

خطاب الملك وتنحي مبارك.. تشابه لا إرادي

خطاب الملك وتنحي مبارك.. تشابه لا إرادي

كل من يشاهد فيلم خطاب الملك سوف يقارن بشكل لا إرادي بين اللعثمة، التي كان يعاني منها الملك جورج الخامس نتيجة ضعف ثقته بنفسه أثناء الحديث للشعب، وبين التخبط والتلعثم، الذي أصاب الرئيس السابق مبارك، وهو يلقي خطابه الأخير، الذي ربما لم يكن يدري هو نفسه هل كان تنحيا أم تفويضا، الذي استفز به ليس فقط ملايين الشعب المصري، ولكن ربما العالم بأكمله.

  • تاريخ النشر: 17 فبراير, 2011

مباراة بين الأداء لطبيعي المتدفق، والإخراج السلس "خطاب الملك" وتنحي مبارك.. التلعثم في الوقت العصيب

كل من يشاهد فيلم خطاب الملك سوف يقارن بشكل لا إرادي بين اللعثمة، التي كان يعاني منها الملك جورج الخامس نتيجة ضعف ثقته بنفسه أثناء الحديث للشعب، وبين التخبط والتلعثم، الذي أصاب الرئيس السابق مبارك، وهو يلقي خطابه الأخير، الذي ربما لم يكن يدري هو نفسه هل كان تنحيا أم تفويضا، الذي استفز به ليس فقط ملايين الشعب المصري، ولكن ربما العالم بأكمله.

يبدأ فيلم خطاب الملك بمشهد مؤثر جدا؛ حيث نرى الملك جورج الخامس وهو يخطب في أحد سباقات الخيول على الهواء مباشرة، والحاضرون والمستمعون ينصتون إليه في احترام وتقدير، ولكنه للأسف يتلعثم بشدة ويصمت لفترة طويلة محاولا استجماع قوته، بينما تنتقل الكاميرا ما بين وجوه الحاضرين والمستمعين والخيول والأشجار، وكأن الأرض بما عليها ومن عليها تنصت له وهو ما يسبب له مزيدا من التوتر، كما يجعل من عدم قدرته على إكمال الخطاب بشكل سوي وجيد ليس مجرد موقف محرج أو سخيف، وإنما فضحية مدوية.

هذا المشهد يضعنا منذ اللقطات الأولى في قلب الحبكة الدرامية للفيلم، سواء لمن يعلم خلفية مشكلة التلعثم اللفظي لدى ملك بريطانيا، الذي قامت في عهده الحرب العالمية الثانية، أو لمن لا يملك أية مرجعية عن القصة، فنحن أمام رجل مهم في ظرف تاريخي يجب أن يقود أمة كبيرة في أحلك الأوقات، من خلال صوته وألفاظه قبل قرارته وأفعاله.

بعد مشهد البداية، الذي ينجح في إحداث تأثير تعاطفي لدى المتفرج مع شخصية الملك، التي يؤديها باقتدار الممثل البريطاني المخضرم كولن فيرث، وبعد إحساس الفضيحة، الذي يجسده تصوير المشهد في مضمار الخيول أي في موقع مفتوح، وكأن الكل شاهدها واطلع عليها، ينتقل بنا السيناريو إلى مجموعة من الغرف المغلقة داخل قصر بكانجهام؛ حيث تتم بشكل سري جدا محاولة إصلاح أو تقويم مشكلة الملك في اللعثمة؛ حيث تدور الأحداث عبر مقاطع حوارية طويلة، يتألق فيها كولن فيرث عبر أداء متوازن ومتمكن لشخصية الملك المتلعثم، كما اصطلح عليها في كتب التاريخ.

تتطور الأحداث أيضا داخل الغرف المغلقة، عندما ينتقل الملك إلى عيادة الطبيب ليونيل، وهو الشخصية الرئيسية في الأحداث، وليس الشخصية الثانية كما يتصورها البعض؛ حيث أن هذا الطبيب أو شبه الطبيب هو الذي سوف يضطلع من خلال خبراته الحياتية والنفسية بمحاولة إصلاح العيب اللفظي لدى الملك، وقد أدى الشخصية الممثل الأسترالي الكبير جيفري رش، وفي هذا النوع من الأفلام الذي يقترب فيه المشهد السينمائي من المشهد المسرحي، من خلال تفاعل وصراع شخصيتين بشكل حواري، يصبح من الصعب الحكم على أداء أحدهم دون الآخر؛ لأن كل مممثل يشحن الآخر بدفقة انفعالية تجعله يذداد قوة وتأثيرا وتألقا، عبر كل جملة وانفعال داخل المشهد.

وشخصية الطبيب ليونيل هي خليط درامي ساحر فهو شبه طبيب، شبه مقامر، شبه نصاب، ولكننا نكتشف أن هذه الخلطة هي أصلح خلطة لعلاج مشكلة الملك؛ حيث وضع هذا الرجل يده على سبب مشكلة التلعثم لدى جورج الخامس، وهي شعوره بعدم الثقة في النفس، وعدم قدرته على السيطرة على انفعالاته، ويكتشف الطبيب أن الملك لا يتلعثم عندما يغضب أو يشتم.

وفي واحد من أهم وأقوى مشاهد الفيلم يتسفز ليونيل الملك لكي يشتم كثيرا وبشكل متواصل، متخلصا من عبء اللياقة الملكية والأصول النبيلة، ورغم كم السباب والشتيمة في المشهد، إلا أن معالجته بصريا وأدائيا جعلته من أجمل مشاهد الفيلم؛ حيث تمكن المخرج الشاب توم هوبر من إبراز جماليات الغضب والشتيمة، عندما تتحول إلى تنفيس للمكبوت، وثورة على ما يكبل النفس من أغلال وقيود، وقد استخدم المخرج تكنيك المشهد المسرحي؛ حيث تعامل مع الممثلين وكأنهم يقفون على خشبة مسرح من خلال لقطات واسعة لغرفة الطبيب، التي تدور فيها كثير من أحداث الفيلم؛ حيث يتواجه الملك والطبيب أو يدخلان إلى عمق الديكور، ولم يستخدم كثيرا من اللقطات القريبة أو القريبة جدا، وإنما كان يكتفي دائما باللقطات المتوسطة، التي تبرز فقط رد فعل الشخصية، تاركا التعبير عن الانفعال يأتي عبر الحوار أو الأداء اللفظي.

في الندوة التي عقدت خلال فعاليات مهرجان دبي السينمائي الدولي الماضي، الذي عرض خلاله الفيلم للمرة الأولى في المنطقة العربية، صرح فيرث أنه عندما قرأ النص في البداية وجد "السيناريست" قد وضع علامات للجمل، التي سوف تتلعثم فيها شخصية الملك، ولكن عندما بدأ التصوير قرر فيرث بالاتفاق مع المخرج تجاهل هذه العلامات، واستحضر كل ما قرأه وذاكره عن شخصية الملك ونفسيته، حتى إذ ما بدأ التصوير كان فيرث يقول الحوار بشكل طبيعي، ثم يتلعثم انفعاليا بناء على إحساسه بمشاعر وانفعالات الملك في تلك اللحظة أو عند تلك الجملة، وهو ما جعله أداء فيرث شديد العبقرية والروعة، وفي الوقت ذاته شديد البساطة والفطرية، وهو ما يسحب أيضا للمخرج توم هوبر؛ حيث أنه أداء فيرث هنا كان أقرب للارتجال؛ حيث يؤدي المشهد وهو ملا يعلم متى سوف يتلعثم، وبالتالي أصبح لدى المخرج مهمة أن يحتوي مناطق التلعثم في الحوار داخل المشهد، وكأنه يصور على الهواء مباشرة، ودون تحضير، فهي مباراة بين أداء طبيعي ومتدفق، وإخراج يجب أن يوزايه في الطبيعية والسلاسة التي يتم بها، ومن هنا لم يكن من الغريب أن يترشح الفيلم لأوسكار أحسن ممثل، بعد أن نال فيرث جائزة البافتا، وهي الأوسكار البريطاني، التي تعتبر دائما تمهيدا للأوسكار.

أطول مشاهد الفيلم هو المشهد الأخير، الذي يعتبر ذروة الحبكة؛ حيث تندلع الحرب العالمية الثانية، ويصبح أمام الملك مسؤولية إعلان الحرب بشكل رسمي على ألمانيا النازية، وبالتالي يجب عليه التوجه إلى الأمة والعالم عبر الإذاعة لكي يخطب فيهم معلنا الحرب، ولنا أن نتصور أن موقف الأمة من هذه الحرب سوف يتحدد من خلال نبرات صوت الملك وقوة لفظه، فأية لعثمة أو ضعف أو صمت -كما في المشهد الأول- من شأنه أن يهدم معنويات الشعب المقبل على حرب عالمية، ويرفع من معنويات العدو الذي يتربص بأوروبا كلها.

ولأن هذا الخطاب مسجل إذاعيا وليس تلفزيونيا، كان أمام فيرث والمخرج توم هوبر والممثل جيفري رش تحديا كبيرا؛ لنقل الوقائع السرية لعملية إخراج خطاب الملك لفظيا أمام الميكروفون؛ حيث وقف ليونيل طبيب الملك أمامه مثل المايسترو، لكي يقود الملك بإشارت من يده وملامحه عبر الخطاب القصير، الذي توجه به إلى الأمة عام 1939م، وليتحرك المخرج من خلال اللقطات القصيرة والمونتاج المحكم عبر أروقة القصر واستديو الإذاعة والشارع البريطاني، الذي يجلس خلف الراديو لينصت إلى خطاب الملك، ويصور حجم التخوف والرعب من ظهور أية لعثمة أو وهن في صوت جورج الخامس أو ألفاظه، وعبر صمت الموسيقى يترك المجال لتأثير نبرات صوت الملك فيرث، وحجم التركيز السمعي لدى الجميع كأن على رؤوسهم الطير، ثم حالة النشوة والفخر الشديدين، اللذان ينتابان الجميع، بمجرد انتهاء خطاب الملك، لتنتقل هذه الحالة إلى الجمهور في صالة العرض بشكل حماسي جدا، يستمر حتى بعد نهاية الفيلم.