EN
  • تاريخ النشر: 01 مارس, 2010

رسالة كاذبة يبثها الفيلم لتشويه المقاومة "خزانة الألم" لكل أمريكي.. أنت ميت بالعراق!

هل جاءوا حقا لإبطال المفرقعات، والقيام بأعمال إنسانية؟!

هل جاءوا حقا لإبطال المفرقعات، والقيام بأعمال إنسانية؟!

ليس غريبا أن يحصد هذا الفيلم عددا كبيرا من الجوائز خارج الولايات المتحدة، وليس غريبا أن يكون ضمن قائمة الأفلام المرشحة لجوائز أوسكار هذا العام، فهو فيلم سياسي بالدرجة الأولى، ليس لمجرد أنه يتحدث عن إحدى فرق القنابل العاملة في العراق "المحتل".. لكن لأنه يحاول أن يحلل الوضع السياسي العسكري الأمريكي بمكر فني، يجعلك تشعر ببعض الحيرة حول المغزى الحقيقي من ورائه، مع الثوب الإنساني الذي يكتسيه؛ إذ يجعلك تتعاطف مع المحتل الأمريكي، وتنقم على المقاوم العراقي!

  • تاريخ النشر: 01 مارس, 2010

رسالة كاذبة يبثها الفيلم لتشويه المقاومة "خزانة الألم" لكل أمريكي.. أنت ميت بالعراق!

ليس غريبا أن يحصد هذا الفيلم عددا كبيرا من الجوائز خارج الولايات المتحدة، وليس غريبا أن يكون ضمن قائمة الأفلام المرشحة لجوائز أوسكار هذا العام، فهو فيلم سياسي بالدرجة الأولى، ليس لمجرد أنه يتحدث عن إحدى فرق القنابل العاملة في العراق "المحتل".. لكن لأنه يحاول أن يحلل الوضع السياسي العسكري الأمريكي بمكر فني، يجعلك تشعر ببعض الحيرة حول المغزى الحقيقي من ورائه، مع الثوب الإنساني الذي يكتسيه؛ إذ يجعلك تتعاطف مع المحتل الأمريكي، وتنقم على المقاوم العراقي!

عنوان "خزانة الألم The Hurt Locker" عنوان شديد الأدبية؛ إذ يحتوي على أكثر من دلالة شعورية وسياسية وإنسانية نلمسها منذ الدقائق الأولى للفيلم، وتستمر معنا طوال الأحداث.

ففي البداية نشاهد إحدى عمليات فرقة إبطال مفعول القنابل الأمريكية العاملة في العراق، وهي تقوم بإبطال انفجار قنبلة مزروعة داخل كومة من القمامة في وسط المنطقة الخضراء، وتنتهي العملية بالفشل وانفجار القنبلة ليذهب ضحية الانفجار أحد ضباط الفرقة، ولا يتبقى منه سوى أشلائه ومتعلقاته الشخصية والعسكرية، التي يتم جمعها في "خزانة" معدنية ضمن عشرات الخزائن التي يتم شحنها يوميا من العراق إلى أمريكا، وتضم بقايا الجنود الأمريكيين الذين يقتلون في العراق كل يوم.

هذا الهجوم الإنساني والشعوري على المتفرج ربما يحدث أثرا عميقا لدى المشاهد الغربي لكننا كمتلقين عرب نكتشف فجأة أن الفيلم يحاول أن يجعلنا نتوحد مع القتلى الأمريكيين باعتبارهم "شهداء" حرب!

إلا أننا سريعا ما نتذكر أنهم ليسوا "شهداء".. لكنهم الأعداء والمحتلون، ومن هنا تأتي أهمية وخطورة هذا الفيلم بالنسبة للمتفرج العربي.. فهو يحاول منذ البداية أن يستدرجنا للشعور بمدى الألم الذي يعانيه أحد جنود الفرقة نتيجة فقدان زميله، ولكنه لا يتساءل طول أحداث الفيلم ماذا يفعل الجيش الأمريكي في العراق؟

بعد هذه البداية الدامية والهجوم الشعوري.. يلتحق بالفرقة شاب يملك حسا جريئا ويبدو -على رغم حنكته الشديدة في إبطال القنابل- ذا قلب ميت.. إنه انتحاري يعشق الاقتراب من الخطر، ويدرك أنه في رهان مستمر مع الموت، وأن أنسب وسيلة لفك قنبلة هي الوسيلة التي لا تجعلها تنفجر في وجهك.

هذا الشاب يبدو من خلال عمليات الأبطال المتتالية -التي تتكون منها أغلب الأحداث- يمثل تجسيدا للمقولة التي يبدأ بها الفيلم "إن ذروة القتال في المعارك أو الشعور بالخطر المستمر في الحرب يصبح تدريجيا لدى بعض الجنود أشبه بإدمان المخدر، الذي لا يمكن التوقف عن تعاطيهوهو إسقاط مهم على الشخصية العسكرية الأمريكية.

فآلة الحرب الرهيبة التي استيقظت منذ الحرب العالمية الثانية لم يهدأ لها بال منذ ذلك الحين، حتى أصبحت الحرب بالنسبة لأمريكا أشبه بإدمان المخدر، وربما كانت هذه إحدى الإشارات الإيجابية في السيناريو؛ لأننا لا يمكن أن ننسى أن العدو الذي تجعلنا الأحداث نكرهه ونخاف منه ونخشى منه على أبطالنا "الأمريكيين" هم نحن أنفسنا "العرب" أو العراقيون المقاومون للاحتلال الأمريكي!

صحيح أن الفيلم لا يصرح بذلك.. إلا أننا نتابع الوجوه العربية/العراقية من خلال نظرات جنود الفرقة الأمريكيين، وهم ينظرون إليهم كأنهم أعداء، أو كما يلخصها أحد الجنود قائلا لزميله "أنت في العراق.. إذن أنت ميت".

على الرغم من أن أغلب أحداث الفيلم تدور خلال أربع أو خمس عمليات إبطال قنابل في أنحاء المنطقة الخضراء، إلا أن هناك بعض المناطق الدرامية التي يجب أن يتوقف أمامها المشاهد ليتمعنها جيدا، ومنها شخصية الطفل بيكهام، وهو ولد عراقي يقوم ببيع أسطوانات "الدي في دي" للجنود الأمريكيين خارج المعسكرات، ويعقد معه بطل الفيلم صداقة طريفة.

إلا أن هذه الصداقة لا تستمر طويلا.. ففي أثناء إحدى عمليات اقتحام مقر "للمقاومة" يكتشف البطل وجود جثة هذا الطفل على طاولة تشريح، وقد تعرض لعملية تعذيب رهيبة وتم فتح بطنه، وحشوها بالمتفجرات، وتصبح هذه الحادثة المرة الوحيدة التي يبكي فيها بطلنا ذو القلب الميت!

بل إنه لا يتمكن من تفجير هذا المقر مثلما تقتضي التعليمات، ويخرج حاملا جثة الطفل ليسلمها للشرطة العراقية!

ثم هناك رب الأسرة العراقي الذي يتم تلغيمه بالمتفجرات، وإنزاله أمام بوابة أحد المعسكرات الأمريكية، ولا يتمكن البطل من إبطال الشحنة المتفجرة التي حوله فينفجر الرجل قبل أن يكمل النطق بالشهادتين!

هذه الأحداث تجعلنا نشعر أن "المقاومة" ما هي إلا عمل "إرهابي" بلا قلب.. يستهدف الأطفال والمدنيين العراقيين كقنابل موقوتة في وجه الجيش الأمريكي، وهي نظرة غير موضوعية، ولا محايدة من صناع الفيلم.

فليست مقاومة المحتل إرهابا، وليس كل العمليات الإرهابية التي تحدث في العراق وتؤدي إلى مقتل الأطفال والمدنيين هي من تنفيذ المقاومة.. بل من المعروف أن هناك أطرافا أخرى كثيرة تعمل داخل العراق لصالح عدم استقرار البلد أو المنطقة بأكملها.

وليست الحيادية أن يقدم الفيلم بعض عناصر المرتزقة المتنكرين في شكل عرب، والذين يقومون باختطاف رموز المقاومة (من النجف كما جاء في الفيلموتسلميهم مقابل مال.. في إسقاط فني على عناصر شركة (بلاك وتر) المعروفة بعملياتها المشبوهة في العراق تحت سمع وبصر الاحتلال الأمريكي.

استخدمت المخرجة كاثرين بيجلو في الفيلم أسلوب التصوير الأشبه بحركة كاميرات الصحافة التلفزيونية في تغطية الأحداث العسكرية والمعارك؛ حيث الكاميرا محمولة طول الوقت وغير مستقرة أو محددة الزوايا والأحجام، بل تتغير الزاوية وحجم اللقطة في المشهد الواحد عشرات المرات على حسب سخونة الأحداث وحركة الجنود، وهو أسلوب فني شديد الذكاء.

أولا لأنه يشعرك بأنك أمام فيلم تسجيلي من داخل أرض المعركة يرصد الأحداث دون رتوش أو تجميل.

وثانيا لأنه يؤكد دلالة عدم الاستقرار، سواء على المستوى العسكري أم السياسي أم الإنساني بالنسبة للشخصيات، فالكادرات المهتزة والمتحركة طوال الوقت تعطي دلالة بصرية بالأوضاع المتقبلة واللاهثة التي يواجهها الجنود الأمريكيون في احتلالهم للعراق.

أخيرا؛ أجادت المخرجة في الحفاظ على هذا الأسلوب التسجيلي الحاد والواقعي كشخصية بصرية مميزة للفيلم، وربما كان هذا ما جعلها تنافس به زوجها السابق جيمس كاميرون بفيلمه "أفاتار" على جائزة أوسكار لأحسن فيلم لهذا العام، على رغم ما يحتويه الأخير من إبهار بصري، وتقني مؤثر، إلا أن الفيلمين يحملان مضمونا سياسيا مهما، وهو ما يجعل المنافسة بينهما "لاهبة".