EN
  • تاريخ النشر: 23 ديسمبر, 2009

اقتنص جائزتين في مهرجان دبي "حراقة".. أحلام جزائرية تغرق على سواحل أوروبا!

تتحطم أحلام الهجرة في نهاية الفيلم بالموت أو على يد الشرطة

تتحطم أحلام الهجرة في نهاية الفيلم بالموت أو على يد الشرطة

لا يهم في فيلم "حراقة" للمخرج الجزائري "مرزاق علواش" أن تعرف بالضبط أين أنت، وإلى أين تتجه، لأن الحكاية تتكرر كثيرا مع اختلاف التفاصيل؛ سواء كنت جزائريا أم مغاربيا أم مصريا أم سوريا أم لبنانيا، فالمهم أنك تعيش في دولة فقيرة، وليس أمامك سوى حلم الهجرة إلى أوروبا أو أمريكا أو أستراليا لكي تحقق كل آمالك، حتى لو تمثلت في الحدود الدنيا للحياة؛ في المأكل، والمسكن، والمشرب!.

لا يهم في فيلم "حراقة" للمخرج الجزائري "مرزاق علواش" أن تعرف بالضبط أين أنت، وإلى أين تتجه، لأن الحكاية تتكرر كثيرا مع اختلاف التفاصيل؛ سواء كنت جزائريا أم مغاربيا أم مصريا أم سوريا أم لبنانيا، فالمهم أنك تعيش في دولة فقيرة، وليس أمامك سوى حلم الهجرة إلى أوروبا أو أمريكا أو أستراليا لكي تحقق كل آمالك، حتى لو تمثلت في الحدود الدنيا للحياة؛ في المأكل، والمسكن، والمشرب!.

هكذا تتجدد في كل لحظة أحلام الهروب الكبير من الوطن على متن مركب صغير، لكنها تتبدد في لحظات أخرى.. وبرغم ذلك يظل حلم الهروب إلى خارج الحدود هو المسيطر الأول على أفكارنا، ومشاعرنا طوال الفيلم. إنه يبدأ صغيرا، ثم يكبر ليحتضن العالم، ثم نكتشف أننا نحتضن السراب، لهذا لم يكن غريبا أن يكون الجميع في الفيلم محبطا، ولا أمل له، برغم اختلاف الأعمار والدوافع.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل انحازت لجنة التحكيم التي رأسها المخرج الكبير "أحمد راشدي" في مهرجان دبي الذي اختتم أعماله قبل أيام، ولهذا تم منح الجائزة لابن بلده "مرزاق علواش"؟.

الإجابة هي: لا.. بدليل أنه لو كان هناك انحياز لكان راشدي منحه الجائزة الكبرى "المهر الذهبيبدلا من فيلم "زنديق" للمخرج الفلسطيني "ميشيل خليفي" الذي جاءت الجائزة من نصيبه.

وفضلا عن ذلك، هناك فيلم جزائري هو "زهر" للمخرجة "فاطمة الزهراء زعمومشارك في المهرجان أيضا، لكنه خرج خاوي الوفاض تماما، وبلا أي جائزة.

ثم لا ينبغي أن ننسى أن "حراقة" اشترك رسميا في مهرجان "فينيسيا" الأخير، أي أننا بصدد فيلم مقدر في أحد أهم مهرجانات العالم، وهكذا فاز بجائزتين في مهرجان دبي، لأننا جميعا تعاطفنا مع هؤلاء الذين أحرقوا كل أوراقهم القديمة على أمل أن يُولدوا من جديد.. فلم يُولدوا!.

في لمحات سريعة يضعك "مرزاق علواش" في طرف المواجهة والتعايش مع الفيلم، فأنت فيه فاعل حقيقي، ولست فقط متفاعلا مع ما يجري أمامك.

البداية تأتي مع قارب متهالك يبحر مع أحلام متجددة لا تعرف الحدود. فكيف تجمع كل هؤلاء المتنافرين من جزائريين وأفارقة حالمين بالهرب من واقعهم المزري؟.

الكاميرا من خلال سيناريو "مرزاق علوش" تكثف كل تلك الرؤى في لمحات قليلة لهؤلاء الحالمين بإسبانيا، والرسو الآمن على شواطئها، ولكن حتى إسبانيا من الممكن أن تتحول إلى أي ميناء آخر.

وبإيجاز نرى الفقر المدقع الذي تعيشه الشخصيات الجزائرية، ولا يحتاج المخرج لأكثر من ذلك لكي يدلف مباشرة إلى قضية الهجرة غير الشرعية. القارب الصغير تعصف به الأنواء داخل البحر، لكنهم لا يكتفون بغضب البحر، وأمواجه، ذلك أن لديهم موجات غاضبة بين بعضهم وبعض؛ إذ تقع بينهم مشاحنات وصراعات وسط الضوء الخافت على المركب، والزاد الأقل الذي يمسكون عليه بأيديهم؛ إلا أن السؤال الذي نراه أمامنا هو: من يحكم المركب.. هل من يملك الدفة هو القائد؟ لا.. ذلك أن من يملك السلاح هو من يتحكم في الجميع.

ويبدو طغيان البحر هو المسيطر بعد أن نفد الوقود، وتعطل المركب الصغير، ولم يعد يقوى على أن يواصل السير مع الإحساس بأن هناك من يطاردهم بين الحين والآخر من رجال شرطة البحار، ومن هنا تبدو الأحلام بعيدة، مثل الشاطئ الذي ترنو أضواؤه عن بعد، وفي الوقت نفسه لا يتم اختصاره بالسباحة إلى الشاطئ.

إنها المخاطرة الكبرى، لكن يبدو أن المخرج درس كل التفاصيل وأمسك بها، واستطاع أن يحيل الواقع إلى رؤية درامية تنبش إلى ما وراء الحالة الدرامية؛ إذ استطاع أحد أبطاله أن يصل إلى الشاطئ. هكذا يبدو وقد وضع كل التفاصيل بذكاء في بوتقة واحدة، ولهذا تأتي المفاجأة عندما يبدأ في خلع لباس البحر البلاستيكي؛ إذ يضع جدارا واقيا ضد ما هو محتمل، ثم نكتشف أنه يحتفظ ببزة ومشط وحذاء ليستبدل ملابس البحر بها جميعا.

بالتالي، سنتعاطف جميعا مع أبطال الفيلم، ونتمنى أن ينجحوا في هجرتهم غير الشرعية؛ إلا أن النتيجة هي أن الشرطة تحيل الانتصار إلى هزيمة، وتتحطم أحلامنا مثلما تحطمت قبلها أحلام ركاب القارب المتهالك.

إننا أمام بشر ضاق بهم الحال، واشتعلت النيران حولهم، فقرروا أن يقذفوا بأنفسهم إلى البحر؛ إذ ليس أمامهم إلا الاحتراق أو الغرق، ذلك أنهم اكتشفوا أن مياه البحر أشد حنانا عليهم من بلادهم، إنهم "الحراقةوالمقصود بهذا التعبير: الذين حرقوا كل أوراقهم ليقطعوا كل صلة لهم بالماضي لكي يولدوا من جديد على شاطئ آخر!.

على المركب ينشأ صراع بين شاب متزمت دينيا، ورجل شرطة سابق أراد أن يتحول إلى قوة ضاغطة على الجميع، فينتهى الصراع في نهاية المطاف بموت الطرفين، كأن المخرج يوجه رسالة غير مباشرة لنبذ التشدد؛ سواء أكان باستخدام سلاح القوة أم الدين.

وتستطيع أيضا أن ترى قدرة المخرج في ضبطه للإيقاع من خلال تلك المساحة الضيقة للأحداث، وهي المركب، ثم مراعاة التدفق؛ إذ كانت الكاميرا لمدير التصوير "فيليب غيلبيرت" تعبر بدقة عن رؤية المخرج حيث اللقطات القريبة والقريبة جدا لنرى كيف تعبر الملامح عما هو معلن، وما هو مخبوء.

ومن العناصر المميزة في الفيلم موسيقى "ديفيد حجاجومونتاج "سيلفيا غادمير". وباختصار فالفيلم رؤية سينمائية استحق عليها المخرج "مرزاق علواش" جائزة لجنة التحكيم، وقبل ذلك جائزة أفلام حقوق الإنسان، وهي جائزة استحدثها مهرجان دبي السينمائي الدولي في هذه الدورة مساندة منه لتلك الأفلام التي تحمل رؤية تدعو الجميع للتعاطف مع هؤلاء المطحونين في الأرض. والواقع أن الجوائز ذهبت حقيقة لمن يستحقها.

(*) مقال خاص بـ"mbc.net".