EN
  • تاريخ النشر: 18 أكتوبر, 2010

دلالات سياسية غير بريئة مختبئة في قصة الفيلم "حرائق".. اغتصاب ابن لأمه يكشف الوجه القبيح لحرب لبنان

قصة الفيلم تجنَّبت إلاشارة إلى العدو الذي تسبب في الحرب الأهلية

قصة الفيلم تجنَّبت إلاشارة إلى العدو الذي تسبب في الحرب الأهلية

العلاقة ما بين المغزى السياسي للأفلام والشحنة الإنسانية أو الانفعالية التي يقدمها صنَّاعها هي دائما جدلية شائكة؛ حيث يختبئ ما هو سياسي أحيانا في الشكل الإنساني أو يتم تسييس ما هو إنساني، مما يُكسبه دلالات سلبية ربما لم يقصدها صنَّاع العمل نفسه!.

  • تاريخ النشر: 18 أكتوبر, 2010

دلالات سياسية غير بريئة مختبئة في قصة الفيلم "حرائق".. اغتصاب ابن لأمه يكشف الوجه القبيح لحرب لبنان

العلاقة ما بين المغزى السياسي للأفلام والشحنة الإنسانية أو الانفعالية التي يقدمها صنَّاعها هي دائما جدلية شائكة؛ حيث يختبئ ما هو سياسي أحيانا في الشكل الإنساني أو يتم تسييس ما هو إنساني، مما يُكسبه دلالات سلبية ربما لم يقصدها صنَّاع العمل نفسه!.

هذه الجدلية تظهر بشدة في الفيلم الكندي "حرائق" الذي عُرض خلال فعاليات النسخة الرابعة من مهرجان أبو ظبي السينمائي داخل المسابقة الرسمية.

ما الذي قد يجذب مخرج كندي هو دني فلينوف في مسرحية الكاتب اللبناني الكندي وجدي معوض، التي تدور أحداثها في الشرق الأوسط، وتحديدا في بلدٍ أقرب للبنان من أي بلد آخر؟، هل هو المغزى السياسي الذي يمكن استخلاصه من الأحداث، أم هي الرغبة في التعبير عن مشاعر إنسانية من الممكن أن تحدث في أي مكان في العالم يعاني من الحرب الأهلية في زمننا الحديث.

في المشهد الأول، يطالعنا فتى صغير ممسوك من قِبل قوات عسكرية تقوم بحلاقة شعره بالموس، وكأنها تجرده من مظهره الطفولي، بينما ينظر الفتى إلى الكاميرا وكأنه ينظر إلينا نحن المشاهدين، ويُشهدنا على ما يحدث به، أو يعرفنا بنفسه من خلال نظرة العين الطويلة، التي تنتهي على قدميه الموشومتين بثلاث نقاط طولية عند الكعب.

ينتقل بنا الفيلم إلى كندا حيث نتعرف على جان وسيمون -التوأم- الذيْن يفاجآن بوصية أمهما الغريبة سلوى مروان، التي تطلب منهما أن يبحثا عن أبيهما الذي يعتقد أنه مات في الحرب، وعن أخيهما الذي ولدته قبلهما.

من هنا، تبدأ رحلة جان في تلك البلد الشرق أوسطية التي حاول صنَّاع الفيلم تجريدها بقدر الإمكان، وإن ظلت لبنان حاضرة بقوة في كل مشهد، حيث استخدم المخرج أسلوب الفلاش باك الذي يروي من ذاكرة الفيلم، وليس من ذاكرة أحد الشخصيات.

لنتعرف على الأم سلوى مروان في مقتبل حياتها عندما تحمل من أحد المسلمين/الفلسطينيين، وهي المسيحية الأصيلة، ويقتل أخوها هذا المسلم/ الفلسطيني، ويتم التخلص من الطفل بعد وشمه بثلاث نقاط طويلة عند الكعب لتتعرف عليه أمه حينما يكبر، ولكن الحرب تندلع بعد هذه الحادثة مباشرة، لتبدأ سلسلة مذابح لا نهاية لها ما بين المسلمين والمسيحيين في بلدٍ شهد أحد أسوأ الحروب الطائفية في العصر الحديث.

يتقاطع السيناريو والإخراج بصريا ومكانيا بين رحلة الابنة في البحث عن أبيها بعد الحرب وبين رحلة الأم في البحث عن ابنها الضائع وسط ركام الحرب، حتى أن المشاهد تتكرر فيها نفس زوايا التصوير خلال حكاية الأم والابنة وهو تكرار مقصود يرهص بأن كلاهما يبحث عن نفس الشخص.

كما سنكتشف فيما بعد وفي أثناء تلك الرحلة تتعرض الأم لحادثة إطلاق النار على حافلة مليئة بالمسلمين كانت تركبه، وهي حادثة حقيقية كانت الشرارة الأولى في اندلاع الحرب اللبنانية، ولكن المخرج يميل لتجريدها مكتفيا بظهور صورة العذراء على البنادق الآلية للقتلة، ووجود محجبات وملتحين في الحافلة المغدورة.

وعندها تقرر الأم أن تنضم لصفوف المسلمين في محاولة لقتال المسيحيين أو أولئك الموالين للعدو، وكلمة العدو تتردد مرتين فقط في الفيلم، في إشارةٍ إلى الإسرائيليين، رغم أنهم طرف أساسي ومهم سواء في الفيلم أو الحرب. هذا الانتقال من حال لحال ومن مرحلة انفعالية إلى أخرى من الصعب فصله عن الأحداث السياسية التي تتردد أصداؤها في ذهن المتلقي!.

ومن هنا، يبدأ في الشعور بتوحد ما بين الأم سلوى وبين البلد المجهّل أو المجرد لبنان، وبالتالي يتخذ الفيلم سواء كان يقصد أو لا يقصد مغزى سياسيا شائكا ومثيرا، خصوصا مع القبض عليها والبدء في تعذيبها من خلال جماعة المسيحيين الموالين للعدو، إلى أن يقرروا أن يتركوها لأبي طارق لكي ينهشها.

أبو طارق هو أكثر الشخصيات الجدلية في الفيلم رغم أنه لا يظهر سوى في مشهدين فقط، ولكن خلال الرحلة العجيبة لاكتشاف الأب والبحث عن الابن يظهر لنا أبو طارق متمثلا في صورة الشاب الذي اغتصب "المرأة التي تغنيوهو اللقب الذي يطلق على سلوى مروان في السجن، لأنها كانت تغني هربا من أصوات التعذيب اليومية.

ويختفي أبو طارق تاركا بطن سلوى منتفخة للمرة الثانية، ولكنها تلد توأما هذه المرة، ويحافظ السيناريو على الخط المتقاطع بين السرد الحاضر لرحلة الابنة وأخيها وبين رحلة الأم إلى أن يلتقي الخطان عند لحظة اكتشاف من هو أبو طارق، وهي اللحظة التي جاءت في شكل مصادفة ميلودرامية خائبة شديدة البساطة والاستسهال حيث ترى الأم ذات يوم في كندا قدم شاب موشومة بالنقاط الثلاث الطولية، فتنظر في وجهه لتكشفت أنه ابنها وأنه هو نفسه أبو طارق الذي اغتصبها وأنجب منها التوأم!

هذه اللحظة الأوديبية الشديدة التعقيد تُفسدها الصدفة المبالغ فيها، والتي تنضم إلى صدف أخرى مماثلة تُضعف من بناء النص من ناحية، وتشعرنا بسوء النية الدرامي والسياسي من ناحية أخرى، فالحرب قامت عندما اختلط دم المسلمين الفلسطينيين بالمسيحيين اللبنانيين، والفتى الصغير نهاد/ أبو طارق يقع في يد الأعداء (الإسرائيليين) ليكون هو من دون كل الجنود بالمصادفة الذي يتم تدريبه على التعذيب ويغتصب أمه.. أي يعود الفلسطينيون ليغتصبوا الأم/البلد وينجبوا منها سفاحا جيلا جديدا؛ هما جان وسيمون.. اللذان هاجرت بهما الأم بعيدا ليفقدا هويتهما ويصبحا جان وسيمون بدلا من جنان وسامي.

دلالة تغيير أسماء الأبناء واضحة، ثم تلتقيه الأم مصادفة في كندا بعد سنوات ليتعرف على فعلته من خلال الخطابات التي تركتها له مع أبنائه الذين هم في نفس الوقت إخوانه.

هذه المصادفات هي التي تجعلنا نشعر بأن إحالات الفيلم ليست إنسانية بريئة تتحدث عن الحرب والسلام أو الحب والإخلاص؛ بل إن المغزى السياسي يبدو مختبأ في داخلها بشكلٍ مثيرٍ للريبة ويحتاج إلى إعادة قراءة الفيلم أكثر من مرة للوقوف على حقيقة موقفه من القضية السياسية التي اشتبك معها سواء تعمد ذلك أو لم يقصد، ناهينا عن ظهور الشخصية الكندية في صورة كاتب العدل الذي ينفذ الوصية بشكل مثالي مبالغ فيه يبدو أقرب للنمط التقليدي للأجنبي المتحضر الشريف.

كذلك تجنب الفيلم الإشارة للإسرائيليين سوى بكلمة العدو، رغم أنهم يلعبون دورا مهما في الأحداث؛ فهم الذين يدربون أبا طارق على الاغتصاب، أي أنهم مسئولون بشكل أو بآخر عما حدث للأم، وهي تفاصيل صغيرة لكنها تتراكم لتصنع علامة استفهام كبيرة عن مشاهدة هذا العمل.

(*) مقال خاص بـ mbc.net