EN
  • تاريخ النشر: 23 يناير, 2012

"تيتا ألف مـرة".. فيـلم وثائقـي يعيد الاعتبار للجدّات

علا الشيخ

جدة قعبور بطلة الفيلم

الفيلم الوثائقي "تيتا ألف مرة" للمخرج اللبناني محمود قعبور، يعيد الاعتبار إلى الجدات

  • تاريخ النشر: 23 يناير, 2012

"تيتا ألف مـرة".. فيـلم وثائقـي يعيد الاعتبار للجدّات

(علا الشيخ)  من لديه جدّة ما زالت على قيد الحياة سيدعو لها بطول العمر، ومن توفيت جدته سيترحم عليها، فـ"تيتاوهو اللفظ العامي المستخدم لوصف الجدة، الذي يستخدمه الأحفاد تقربًا منها. وفي الفيلم الوثائقي للمخرج اللبناني محمود قعبور "تيتا ألف مرة" الذي عرض أخيرًا في غاليري ترافيك في دبي، إعادة اعتبار إلى الجدات، عبر حكاية يريد أن يرويها على شكل وثائقي حول عائلته الفنية من خلال جدته التي تبلغ من العمر 85 عامًا، التي تروي تفاصيل من ذاكرة زمن.

جدة قعبور بطلة الفيلم، ونرجيلتها المرافقة لها على الدوام، هما الحكاية.. شرفتها التي تطل منها على شارع حمل ما حمل من ذكريات، شاهد أيضا على كلامها. هي الجدة الظريفة، ومحمود هو الحفيد الأول الذي يحمل ملامح جده، زوجها، الذي ما زالت ألحانه تصدح في دقات قلبها قبل أن تسمعها عبر آلة التسجيل.

قعبور الحفيد استطاع أن يوجز حكاية عائلته الفنية من خلال تلك الجدة الظريفة التي تقف أمام الكاميرا معتزة، تحاكي الكاميرا وتنسى الميكروفون المعلق في صدرها، وتفشي بما تيسر من الأسرار والعبارات.

يؤخذ على الفيلم غياب عم المخرج، وهو الفنان أحمد قعبور، شاهدًا على هذه الحياة، مع أنه الاسم اللامع في العائلة كون أغانيه حملت طابعًا وطنيًا انتشرت بين أرجاء عربية عديدة، وأشهر أغانيه "أناديكم أشد على أياديكم" من كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد.

الفيلم الذي سكن قلوب من شاهده عاطفيًا لارتباطهم بالجدات، حاز إعجابهم وثناءهم، واصفين إياه بأنه من الأفلام الوثائقية التي تشاهد بمتعة.

بيروت القديمة

في منزل قديم في حي من أحياء بيروت القديمة، تعيش الجدة فاطمة وحيدة مع خادمة تعاونها، فهي التي تجاوزت من العمر 85 عامًا، لكن هذه السنين لم تؤثر في عقلها المشبع بهواء بيروت النقي الذي تستنشقه من على شرفتها المطلة على الحي. تمشي وتقصد المطبخ وتحضر قهوتها ونرجيلتها التي لا تتركها وكأنها حاسة من حواسها، وما زالت أيضا تعد الطعام، وهي فوق كل ذلك الحنونة والعاقلة والظريفة.

تفاصيل دقيقة لها علاقة برصد حياة يومية بروتينها الذي تحاول الجدة الحفاظ عليه، والذي قد تخربه زيارات مفاجئة من الأبناء أو الأحفاد.

يرى مدير معرض غاليري ترافيك، رامي فاروق، الذي يحرص على عرض أفلام لها صلة بالواقع العام، وحصدت الجوائز، مثل فيلم "ثقافات المقاومة" للمخرجة البرازيلية الكورية ايارا لي، أن "المخرج يريد الحفاظ على كل هذا الحنين من خلال شاهد عيان على تاريخ عائلته، ويريد أن يوثق الحكاية كي تظل". وأضاف "الفيلم الذي حاز جوائز كثيرة يعرض لنا شكلًا جديدًا من الأفلام الوثائقية التي من الممكن عرضها سينمائيًا وتستقطب جمهورًامؤكدًا "حكاياتنا كلها موجودة في ذاكرة أجدادنا، وما أجمل أن نعطيهم الفرصة، ونعطي أنفسنا أيضا فرصة الإنصات لهم وسماع حكاياتهم". في المقابل قالت ايانا مانديريان إن "الفيلم مدهش ومؤلم في الوقت نفسهمضيفة "يشعر الشخص بأن لديه فرصة أخيرة ليسمع حكاية، ويزيد من خوفه أنه يريد تسجيل هذه الفرصة عبر كاميرا، هو شعور له علاقة بالفهم الكامل لاقتراب وداع عزيز، فما بالكم إذا كان هذا العزيز هو الجدة!". وقالت "الفيلم حميمي لدرجة أنه جعلني أتصل بجدتي فور انتهائه والسؤال عنها، وقلت لها كم أشتاق إليهامؤكدة "هو فيلم لغد أبناء المخرج وغيرهم من الأجيال".

عازف كمان

باتت الجدة متيقنة تمامًا ما حولها، فهي تتعامل مع كل ما له علاقة بحفيدها وبكرم الضيافة، حتى أنها تخاطب الكاميرا وتلف وجهها عليها بشكل فطري. ومع كل هذا الضجيج غير المعتادة عليه، تحاول أن تسترخي فتعود إلى ذكرى الحبيب والزوج (محمود الأكبر) عازف الكمان وألحانه التي لم تخلُ لياليها منها. الجد الذي رحل منذ 20 عامًا ترك لها كمانه وألحانه، لا تستسلم الجدة للحزن، فتظل محتفظة بوقارها وبخفة ظلها أيضًا وطبيعتها التي لمسها المشاهد بسرعة.

كانت لقطة جميلة حسب سهير يونس "حين توجهت الجدة إلى الكاميرا، وهي تخاطب على ما يبدو المصور وتعبر له عن عدم رضاها عن خطيبة حفيدها، وكأنها لا تعي أن الجميع سيسمع هذا الرأي". وأضافت "الفيلم مدهش بكل تفاصيله". وفي المقابل قال إيهاب محمد "هذا فيلم يحكي أحلى علاقة حب تشهد عليها الجدران والشارع والزرع والألحان". وأضاف "عندما يباغتها محمود الحفيد ويسألها عن جده تعود هذه الثمانينية وكأنها مراهقة تنظر نظرة وابتسامة من على شرفتها، تعود طفلة وتعود عاشقة"، "وعلى ألحان موسيقى الجد تدمع عيناها، وتسترسل في الحديث عنه وتقول إن محمود الحفيد كم يشبه زوجها وأن حمله اسمه زاد من مكانته عندها". لن ينسى طارق ديوب هذا المشهد، إذ قال "الحفيد يشبهني والجدة تشبه جدتي تمامًا، الفيلم رائع بكل المقاييس".

استعادة

قعبور الحفيد يستعيد الزمن الماضي، إذ يرتدي طربوش جده، ويمسك بيد جدته ويمشيان في الحارة. ويستمر بالقول إنه يشبه زوجها الغائب الحاضر في وجدانها. مشهد جميل ومفرح ينتهي عندما اعترف الحفيد لجدته بأنه كان يخاف على فقدانها وهو في إقامته في كندا التي طالت سبع سنين، واعترف لها كم سيكون حزينًا على فراقها. تلمس الجدة وجه حفيدها المدلل وتقبل في هذه اللحظة فقط أن تؤدي دورًا تمثيليًا، فالعائلة مجتمعة حولها على سرير الموت. حزن يخيم على المكان وكأنه حقيقة، لتفاجئ الجدة الحضور وتقول "هيك منيح" كناية عن الاعتراف بتأدية دورها على أكمل وجه.

قال حمزة علي "ما أجمل هذا الحفيد المحب الذي أراد أن يشكر جديه على طريقته". وأضاف "أشعر بزخم الفرح الذي ادخله إلى قلبها المليء بالحكايات والتفاصيل والأوجاع، كم هي فرحة به".

في المقابل، قالت هبة داوود "الفيلم مليء بالتفاصيل التي تشبه بيوتنا القديمة، تشبه وجوه جداتنا وتشبه حكاياتهن، الفيلم مؤثر، وشكرًا للمخرج على هذه الإضاءة الإنسانية الجميلة".