EN
  • تاريخ النشر: 19 أبريل, 2009

فيلم "doubt" يناقش التناقضات الدينية للراهبات "تحرش جنسي" يقود ميريل ستريب لـ"الشك" بالكنيسة

حين يعصف الشكّ بقلب الإنسان، فإن كلّ الأشياء بالنسبة له تبدو متساوية، فالحرام يصبح كالحلال، والفضيلة لا تختلف عن الرذيلة، كما أن الأمر الأهم هو أن الحياة والموت سواء.

حين يعصف الشكّ بقلب الإنسان، فإن كلّ الأشياء بالنسبة له تبدو متساوية، فالحرام يصبح كالحلال، والفضيلة لا تختلف عن الرذيلة، كما أن الأمر الأهم هو أن الحياة والموت سواء.

حول هذه الفكرة الإنسانية، تدور أحداث الفيلم الدرامي "الشك doubt" للمؤلف والمخرج الأمريكي جون باتريك شانلي عن نص مسرحي له يحمل نفس الاسم، واستعان في النسخة السينمائية بفريق عمل يضم كل من ميريل ستريب وفيليب سيمور هوفمان، وكلاهما حائز على جائزة الأوسكار، بالإضافة إلى الممثلة الشابة أمي آدامز التي نالت أول ترشيح لها لنيل الأوسكار عن دورها في هذا الفيلم.

تدور أحداث الفيلم، كما المسرحية، في أروقة مدرسة كاثوليكية في الولايات المتحدة في منتصف الستينات تقريبا، ويضعنا المخرج في قلب الأحداث من المشهد الأول، حين نرى القس برندان (فيليب سيمور هوفمان) يلقي عظة على رواد الكنيسة حول "الشكوأثره في المجتمع، ويربطه بحالة عامة من انعدام الثقة والخوف من المستقبل سادت المجتمع الأمريكي في أعقاب اغتيال الرئيس كنيدي.

في المقابل، يبرز المشهد ذاته شخصية الراهبة بوفير (ميريل ستريب) وهي تتلصص على سلوكيات الطلبة أثناء العظة، وترقبهم بعين صارمة، بحيث نرى الخوف في عيون الجميع.

ومن هنا يدرك المشاهد أن القس برندان يمثل تيار التجديد والتسامح في داخل الكنيسة الكاثوليكية، كما يتضح من سلوكه مع الطلبة، كما في أحد المشاهد حين ينصح طالبة بأن تصارح زميلها بإعجابها به!

في حين تمثل الراهبة "بوفير" الوجه المقابل، فهي بسلوكها المتشدد وإدارتها الصارمة للمدرسة تمثل الروح التقليدية المحافظة للكنيسة، والتي تسعى إلى تثبيتها وقمع أية محاولة للتغيير، خاصة من قبل القس برندان.

وبين هذين النقيضين تقف الراهبة الشابة جايمس (إيمي آدامز) في منطقة وسطي بين الاثنين، فهي إنسانة بريئة وطيبة بالفطرة، وهي تحترم القس من ناحية، إلا أنها من ناحية أخرى تلتزم بتعاليم الراهبة بوفير التي تراها مثالا يجب أن تحتذيه.

واستطاع المخرج إبراز هذا التناقض في مشهد طريف، ففي حين يحفل مجلس القساوسة في حضور القس برندان بالضحك والمزاح، بل والتدخين أيضا! فإن مجلس الراهبات الذي تسيطر عليه الراهبة بوفير يكاد يخلو من الكلام إلا إذا بدأته هي.

ومن البداية يستشعر المتفرج أن صداما وشيكا سوف يحدث بين هاتين الشخصيتين، وهو ما يبدأ فعلا، حين يستدعي القس تلميذا أسمر هو الوحيد في المدرسة إلى مكتبه، ورغم أن اجتماعهما المنفرد لم يدم سوي بضعة دقائق، فإنه يثير مشاعر الشك لدى الراهبة "بوفير".

وبدءا من هذه النقطة، تبدأ "بوفير" في التحرك لإثبات شكوكها، وهي: أن هذا اللقاء شهد تحرشا من قبل القس بالفتى الصغير، رغم أنها لا تملك أيّ دليل ماديّ على ذلك.

وبشكل تدريجي تؤثر هذه الشكوك على الراهبة جايمس أيضًا، وعلى نظرتها لكثير من الأمور، الأمر الذي يجعل مواقفها في كثير من الأحيان متذبذبة ومهتزة، فهي ترفض تصديق الاتهامات التي توجهها الراهبة للقس، وفي الوقت ذاته، فإن محاولاتها لتقليد طريقة الراهبة في التعامل مع الطلبة لا تنجح في أغلب أحيان بسبب طبيعتها الطيبة.

ويظهر هذا التردد بشكل واضح في أحد المشاهد، حين تصيح جايمس في وجه أحد الطلبة، إلا أنها بمجرد أن ترى الدموع في عينيه تبدأ في التراجع وتعتذر له.

ورغم أن الفيلم ينتهي بأن يتحقق للراهبة بوفير مرادها ويرحل القس براندن عن المدرسة والكنيسة، فإنها -وكما تعترف لتلميذتها الشابة جايمس- في النهاية لا تزال تشك، فيما إذا كان ما فعلته صوابا أم خطأ، وكما تقول، وقد ظهرت دموعها لأول مرة: "إنني أشعر بالشك.. الشك يملؤني".

إن القيمة الحقيقية لفيلم كـ"الشكمثل أيّ عمل فني مميز، هو قدرة المشاهد على تفسيره على أكثر من مستوى، فالفيلم ظاهريّا يبدو وكأنه رؤية المؤلف- المخرج لعالم الكنيسة الكاثوليكية التي ينتمي إليها.

إلا أن هناك مستوى آخر لتفسير الأحداث، فالمدرسة هنا قد تكون رمزا للعالم بأسره، وشخصية الراهبة جايمس تمثل الإنسان بفطرته النقية، الذي يقف حائرا بين تفسيرين للتدين في عالمنا المعاصر، الأول تفسير متزمت صارم منغلق على ذاته، وتمثله الراهبة "بوفيروالثاني تفسير متسامح منفتح على العالم وعلى روح العصر.

ومن هنا يأتي السؤال الذي يطرحه الفيلم، لا عن واقعة معينة، بل عن تلك اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بالشك في معتقداته وما يبدو له مقدسا، وما قد يؤدي إليه شكّ كهذا في داخل النفس البشرية.

جاء أداء الممثلين على درجة عالية من التميز، وجاءت أغلب المشاهد بمثابة مباراة في الأداء بين سيمور هوفمان وميريل ستريب، خاصة في مشهد المواجهة بينهما قرب نهاية الفيلم.

أما مفاجأة الفيلم الحقيقية، فهي آمي أدامز، هذه الممثلة الشابة التي عرفها الجمهور من خلال أدوار كوميدية كدورها في فيلم "المسحورة enchanted" الغنائي، إلا أنها هنا تفاجئ الجميع بدور درامي معقد وبعيد عن نوعية أدوارها السابقة، مما يجعل ترشحها للأوسكار كأفضل ممثلة مساعدة عن هذا الدور أمرًا متوقعا.

يؤخذ على الفيلم اعتماده نفس الأسلوب المسرحي في مشاهده، إذ يندر أن تجد مشهدا واحدا في الفيلم يخلو من حوار بين الشخصيات الرئيسية، كما أن المكان واحد -وهو داخل الكنيسة أو داخل المدرسة- إلى جانب الإطالة في بعض المشاهد إلى حدّ كبير.