EN
  • تاريخ النشر: 10 أبريل, 2012

فيلم يشاهدك قبل أن تشاهده "تايتانك" 3D.. تضحية الحب في مواجهة "أنانية" الموت

قصة حب تايتانك لا تغرق ولا تموت

قصة حب تايتانك لا تغرق ولا تموت

عندما تشاهد هذا الفيلم في نسخته الحديثة بالأبعاد الثلاثية فأنت ولا شك تشاهد أيضا نفسك بعد 15 عاما عندما قُدم هذا الفيلم لأول مرة.

  • تاريخ النشر: 10 أبريل, 2012

فيلم يشاهدك قبل أن تشاهده "تايتانك" 3D.. تضحية الحب في مواجهة "أنانية" الموت

عندما تشاهد هذا الفيلم في نسخته الحديثة بالأبعاد الثلاثية فأنت ولا شك تشاهد أيضا نفسك بعد 15 عاما عندما قُدم هذا الفيلم لأول مرة. قد يهون العمر إلا ساعة.. وتهون الأرض إلا موضعا.. وتهون كل الأفلام السينمائية إلا "تايتانك".

عاشت أكثر من مائة عام ولم يتجاوز عمرها الحقيقي إلا أربعة أيام ونصف يوم، تعدى العشرين بقليل وعمره الحقيقي أربعة أيام ونصف اليوم. إننا نعيش فقط أيام الحب.. قبلها وبعدها نتنفس أوكسجين الحياة نعيش فيها ولا تعيش فينا!

كثيرة هي قصص الحب التي خلدتها الأشعار والحكايات والملاحم والأفلام، ولكن ما هو سر هذا الفيلم "تايتانك" الذي أجمع عليه متذوقو الفن السابع في العالم، وتم تتويجه عام 98 بـ11 جائزة أوسكار.. السر أننا جميعا دخلنا في طقوس معايشة القصة بتفاصيلها من خلال الزمن.. شاهدنا الفيلم بعيون امرأة عجوز تجاوزت المائة "جلوريا ستيوارت" حيث تعود بنا شابة جميلة حسناء تعدت العشرين بسنوات قلائل "كيت وينسلت".

إن الإنسان يُولد وبداخله عداء للزمن يخشى مرور السنوات وانتهاء الرصيد وفقدان وهج الحياة، ولهذا كان من الممكن أن يقدم الفيلم مثل قصص الحب التقليدية عودة للماضي في بداية الأحداث، ثم نرجع في النهاية لنقطة البدء، وتستغرقنا الحكاية بعد ذلك.

أما هذه المرة فإن مخرج وكاتب الفيلم "جيمس كاميرون" وضع يده على مفتاح مختلف في النفس البشرية، وهو الخوف من الزمن ومحاولة الإمساك بلحظة السعادة، وهي محاولات مستحيلة، ولهذا فإنه عندما يقترب بلقطة مقربة جدا لعين البطلة الشابة الحسناء "كيت وينسلت" ويمزج إلى نفس العين ومع تراجع الكاميرا لنرى تجاعيد الوجه "لجلوريا ستيوارت" هذه اللقطة ليست مجرد إبداع سينمائي يظهر التناقض في الصورة، ولكنه يُحيلنا جميعا إلى طرف مشارك يوقظ صراع الزمن بداخلنا، ويظل دائما ينتقل عبر الزمان ليذكرنا ببصمات الزمن، ليست الملامح فقط، ولكنها أيضا الأشياء. دائما نشاهد جزءا من بقايا السفينة الغارقة لينتقل إلى نفس الجزء وهو يروي الحكاية.. ينتقل من نهاية هذا القرن إلى زمن أحداث الفيلم 1912.. إن بصمات الزمن على الجماد تذكرنا بالزمن الذي يهرب من بين أيدينا في الحياة.

 

صراع المال والاستحواذ

 

الفيلم يقدم صراع المال والبقاء والطبقية والاستحواذ إلا أنك تكتشف من خلال نظرات المرأة العجوز أن كل شيء يتضاءل ولا يتبقى بعد رحيل العمر إلا تلك الأيام القليلة التي تعيشها في الحب الصادق.

عين المخرج تريد أن تقدم هذا العمق الإنساني في رؤية سينمائية خالصة.. لقد شاهدنا في السنوات الأخيرة أفلاما ضخمة على مستوى الصورة إنها السينما الخالصة وهي الموضوعات التي يمكن أن تشاهدها بكل تقنيات السينما الحديثة ولهذا انتشرت أفلام البراكين والزلازل والهجوم.

عاشت السينما في القرن القادم وارتدت لأزمان سحيقة في التاريخ وحققت إنجازات في الوصول إلى الهدف المنشود منذ أكثر من مائة عام عمر السينما- وهو الوصول بهذا الفن إلى شاطئ السينما الخالصة؛ إلا أن كل هذه الأفلام كان ينقصها شيء وهو الحضور الإنساني الطاغي، وهذا هو ما أمسك به "جيمس كاميرون" فهو يقدم السينما الخالصة الممزوجة بتحليل النفس الإنسانية.

دائما هناك على مستوى الصياغة السينمائية إثارة سؤال هامس بمعلومة هادئة ثم استثمارها فنيا.. لا يوجد في الفيلم معلومة مجانية، وليس هناك حوار لمجرد إثارة الجمهور للمتابعة.

إن البصقة التي يعلمها بطل الفيلم "ليوناردو دي كابريو" لبطلة الفيلم "كيت وينسلت" في بداية الأحداث نجدها قبل النهاية تتحول إلى فعل درامي لا بديل عنه عندما توجهها إلى خطيبها في الفيلم "بيلي زين".

كل شيء محسوب بدقة ولكنه مقدم بهمس فني في البداية، نتعرف على هذه الفتاة التي لديها اهتمام فني ونتعرف على اسم "بيكاسو" الذي كان في مطلع القرن مجرد فنان شاب ويستغل المخرج هذه المعلومة ولا ينسى استثمارها ولهذا ليس من قبيل المصادفة أن أول لقطة لها بعد أن أصبحت سيدة عجوزا نشاهدها وهي تصنع آنية من الفخار فهي تحتفظ بمكونات شخصية متذوق الفن ثم إن هذه المعلومة نفسها تجعل اللقاء يمتد بها مع بطل الفيلم "ليوناردو دي كابريو" في بداية الفيلم عندما نتعرف عليه كفنان تشكيلي صعلوك.

 

معلومات هامسة

 

إن الوثائق الرسمية طبقا لأحداث الفيلم لم تذكر شيئا عنه ولكنها عندما تسأل عن اسمها تقول "مسز داوسون" -اسمه في الفيلم- فهو الرجل الوحيد الذي تريد أن تحمل اسمه.. كثيرة هي المعلومات الهامسة التي يقدمها مثل الصفارة التي يستخدمها أحد الغرقى طلبا للنجاة، وبعد ذلك في اللحظة المناسبة عندما تأتي قوارب النجاة لا تنقذها إلا هذه الصفارة التي تنتزعها من فم الرجل بعد أن تجمد ومات.. نعلم مسبقا أن قوارب النجاة تتسع لأكثر من نصف الركاب حتى عندما تقع الكارثة ندرك أبعادها.

لجأ المخرج وكاتب السيناريو دائما إلى أسلوب التناقض سواء في الشخصيات أو المواقف الدرامية أو الرؤية السمعية والبصرية.

الفتاة الغنية تتناقض في سلوكها مع الشاب الصعلوك تناقضا ظاهريا بين البطل والبطلة، تناقضا بين ركاب الباخرة الطبقة الأرستقراطية التي تعيش في جناح تنتمي إليه البطلة وبين البطل الذي يعيش في غرفة ضيقة.

كان مفتاح وقانون الفيلم الإمساك دائما بكل مساحة ممكنة من هذا التناقض مثل قارب نجاة يسع 70 شخصا ولكن به فقط 12 شخصا بينما يشرف الآخرون على الغرق لأنهم لم يجدوا مكانا في قوارب النجاة.. مشهد "ليوناردو دي كابريو" مع "كيت وينسلت" في حفل عشاء يقام بالدرجة الأولى، ثم الانتقال مباشرة إلى حفل يقيمه الصعاليك من الدرجة الثالثة والقطع المتوازي بينهما كل ذلك يدعم قانون التناقض، وخاصة عندما ترى "كيت وينسلت" وهي تندمج في طقوس هؤلاء الصعاليك. إن عمق هذه المشاهد تنبع من فرط بساطتها الانتقال الصاخب يتحول إلى انتقال ناعم وهادئ.

إن "جيمس كاميرون" يفكر دائما بعيون المشاهدين، فهو يثير النهم عندما نستمع إلى موسيقى كلاسيكية مع طبقة الأرستقراط في الدرجة الأولى ينقلنا بعد ذلك إلى موسيقى شعبية مع الدرجة الثالثة.. الصوت مثل الصورة نفس القانون، الأثرياء الذي تهيأ لهم كل أسباب النجاة والفقراء الذين تنتزع منهم كل هذه الأسباب.

 

الأنانية والموت

 

كيف يواجه الناس الموت؟ سؤال أثاره "جيمس كاميرون" وأجاب عنه بعدة تنويعات الأنانية في الرغبة في البقاء تجعل البعض ينسى حتى أقرب الناس إليه، ولهذا فإن قارب الأرستقراط وكان به متسع لآخرين لا يعود لإنقاذ بعض الأزواج الرجال الأحياء، امرأة واحدة فقط تعارض بينما الأخريات لا يفكرن في الأزواج أو الأبناء.

تنويعات أخرى مثل الأم التي تحكي لطفليها عن الحياة الأبدية قبل لحظات من الرحيل وهم مغمضو العينين على السرير في الباخرة والزوجان الطاعنان في السن وهما يحتضنان بعضهما في انتظار اللحظة الأخيرة.. كابتن الباخرة الذي يعود إلى مقر القيادة ليغرق هناك.. مهندس الباخرة الذي يحتضن الساعة.. التراتيل الكنسية التي يرددها عدد من الركاب.

كل هؤلاء واجهوا الموت، أما البطل والبطلة فلقد واجها الحب، ولهذا فإنهما في بداية الفيلم -عودة مرة أخرى لقانون التناقض- عندما أمسك "ليوناردو" بيد "كيت" لينقذها قبل أن تغرق بعد أن قال لها "لو ألقيت بنفسك في المحيط سوف ألقي بنفسي بعدك" ثم قبل النهاية ومن نفس الموقع يمسك يدها وتقول له "أثق بك" وينزلان إلى عمق المحيط ليس من أجل الحياة ولكن الصراع من أجل الحب، ولهذا فإنه ينقذها من أجل هذا الحب، ويطلب منها أن تعيش بعده من أجل هذا الحب، وتصل إلى ما بعد المائة من أجل هذا الحب!

مشاهد عديدة قدمت بحرفية سينمائية بارعة.. أتوقف أمام اللقاء الجنسي بين "ليوناردو وكيت" في العربة داخل مخزن الباخرة.. بداية اللقاء يبدو التردد عند "ليوناردو" حتى تطلب منه "كيت" أن يمسكها تنتقل الكاميرا إلى سطح الباخرة في مشهد آخر ينبئ باقتراب الاصطدام بجبل من الثلج.. عودة إلى العربة ونلمح على الزجاج يد "كيت" وهي تهبط تدريجيا ثم الانتقال إلى داخل العربة وقد تصبب العرق منهما.. مجموعة من اللقطات تقول كل شيء بوضوح وشاعرية بدون أن ترى لقطةً عارية!

ذروة هذا الفيلم عندما تصعد البطلة العجوز "جلوريا ستيوارت" إلى درابزين السفينة التي يستغلها عالم البحار والمكتشفون في كشفهم عن ماسة "قلب المحيط" في نفس التكوين التشكيلي للقائهما الأول، ثم تُلقي بالماسة التي لا تقدر بمال إلى قلب المحيط.. إن فريق المستكشفين الذي أعاد لنا حكاية الباخرة "تايتانك" لم يكن يعنيه إلا العثور على هذه الماسة والتي تعود إلى "لويس السادس عشر" ولكننا مثل بطلة الفيلم لا يهيمن علينا إلا حكاية الحب التي لم تدم أكثر من أربعة أيام ونصف اليوم، ولهذا قذفنا معها بالماسة إلى قلب المحيط وعاشت فينا قصة الحب التي لا تغرق ولا تموت!

هذا هو الفيلم الذي يجمع بين الجمال والجلال.. إننا لا نشاهد فيلم "تايتانك" الفيلم هو الذي يشاهدنا سواء تعاملت معه مسطحا أو مجسما سيظل للفيلم كل الجمال والجلال!.