EN
  • تاريخ النشر: 24 يناير, 2012

المخرج هرب من قبلات "مادونا" "انفصال" الإيراني.. الطريق إلى الأوسكار يبدأ من "جولدن جلوب"

أفيش الفيلم الإيراني

أفيش الفيلم الإيراني "انفصال" الذي تراوده أحلام الأوسكار

الناقد طارق الشناوي يكشف الابعاد الانسانية في فيلم " انفصال" الايراني الذي فاز في الجولدن جلوب ويقترب من الأوسكار

  • تاريخ النشر: 24 يناير, 2012

المخرج هرب من قبلات "مادونا" "انفصال" الإيراني.. الطريق إلى الأوسكار يبدأ من "جولدن جلوب"

من الممكن أن نراهن من الآن على أن الفيلم الإيراني "انفصالهو الذي سيحظى بجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي يوم 26 فبراير/شباط القادم، عند إعلان جوائز الأوسكار "84".

الفيلم تمكن من القفز فوق أكثر من حاجز؛ الأول حصوله -قبل نحو عشرة أيام- على جائزة "الجولدن جلوب"؛ التي تعتبر أحد المؤشرات الرئيسة لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي، وكان يتصارع عليها 63 فيلما من مختلف دول العالم، والمقصود بكلمة أجنبي غير ناطق بالإنجليزية.. وآخر حاجز قفز فوقه الفيلم هو أنه قد أصبح واحدا من تسعة أفلام فقط يحق لها التطلع لتلك الجائزة.

الفيلم اقتحم الأوسكار وهو مدعم بجائزة "الدب الذهبي" من مهرجان "برلين"؛ الذي عقد في شهر فبراير/شباط الماضي، بالإضافة إلى جائزتين في التمثيل لبطلي الفيلم، والغريب أن هذا الفيلم عندما شارك في مهرجان "أبو ظبي" السينمائي في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي حصل على جائزة لجنة التحكيم؛ التي تلي الجائزة الكبرى، بينما كانت جائزة اللجنة الكبرى للفيلم الفرنسي "دجاج بالبرقوقوقيل وقتها: إن تلك هي قناعة لجنة التحكيم.

عالم " فرهادي"

دعونا ندخل مباشرة إلى عالم المخرج وكاتب السيناريو "أصغر فرهادي"؛ حيث تقدم لنا الكاميرا الشقة التي ستستحوذ على القسط الوافر من الأحداث بكثير من التمهل، يطل علينا في الشقة وجه رجل عجوز تسبقه ملامحه المجهدة؛ التي تبدو عليها أمارات مرض "الزهايمر".

الإحساس ينتقل إليك، وأنت تشاهد ما يجري أمامك عن تلك العلاقة التي يشع فيها الحب والوفاء والمعاناة بين هذا الرجل وأهل منزله، وفي لحظات نكتشف أن سر الحزن الذي تعبر عنه نظرات البطل "بيتمان معاديهو انفصاله عن زوجته "ليلى حاتميوهو ما أدى إلى حيرة ابنته التي تعيش معه وتريد الأم أن ترعاها، ويصبح حكم القضاء -في النهاية- هو أن البنت ذات الـ11عاما هي التي تحدد مع من تعيش.

الكاميرا وتتابع اللقطات داخل هذا المكان الضيق تكشف عن لياقة إبداعية للمخرج؛ الذي تلتقط عينه اللمحة المؤثرة، بل والمدهشة في الوقت نفسه؛ حيث نلمح في التترات كيف يقدم المخرج الشخصيات من خلال جهاز تصوير المستندات؛ باعتبارها وثائق؛ لأنه يمهد بعد ذلك إلى تدفق أحداث الفيلم في إطار أجهزة التحقيق وأقسام الشرطة والقضاء.

لا تجد في هذا الفيلم إدانة مطلقة لأحد؛ الكل في موقف محدد وحتمي يضطر للكذب، ويعترف بأنه لم يكن يملك خيارا آخر، وتكتشف أنك سامحت في النهاية كل أبطالك، وتسامحت حتى مع تلك الأكاذيب.

نحن نصدق الشخصية في معاناتها؛ البطل لا يستطيع أن يترك أباه المريض ويسافر كما تريد الزوجة، ولهذا يحدث الانفصال الحتمي بين الزوجين.. إنها دراما عائلية لو وقعت تحت يد فنان محدود الموهبة لقدم منها فقط تمثيلية تلفزيونية لا تتجاوز مجرد تلك الحكاية عن الظرف الاجتماعي والفتاة الحائرة بين أبويها.

ولكن "فرهادى" وجدها فرصة لكي يطرح بإحساس عالٍ الفروق الطبقية في المجتمع الإيراني، وتلك النظرة المليئة بالأشجان والأحزان؛ التي تعيشها طبقات مهمشة في المجتمع الإيراني، عبر عنها المخرج بتلك الإطلالة على الخادمة؛ التي تعمل في البيت لرعاية الرجل العجوز في غياب ابنه، وكيف أنها مثلاً مترددة أمام ضميرها ودينها في تغيير الملابس الداخلية لمريض الزهايمر غير القادر على العناية الشخصية بنفسه؛ فتضطر إلى الاتصال بدار للشؤون الإسلامية التي تسمح لها في النهاية بذلك.

الخضوع لرجل الدين حتى في التفاصيل الحياتية الصغيرة يضع المخرج، من خلال السيناريو المحكم في بنائه، كل الشخصيات لتلقي دائما بلمحة أو تزرع معلومة درامية.. مثلاً ابنة الخادمة عندما تقول بطفولة وعفوية لأمها: إنها لن تخبر والدها بأنها غيرت للعجوز ملابسه الداخلية، ثم عندما نرى هذا الوالد العصبي المحبط المليء بالغضب والحنق على الأثرياء، نجد أن تلك المعلومة العفوية تشير إلى أي مدى من الممكن أن تصطدم الخادمة مع هذا الرجل.. وكأنه يضع رتوشا تتكون بعدها الشخصية أمامنا في تسلسل وانسياب فيرسم اللوحة كاملة.

مشاهد حياتية بليغة

اللحظة الفارقة تأخذ أيضا من مكونات الحالة التي نعايشها، وهي مريض الزهايمر الذي يغادر منزله حافي القدمين، ولا تنقذه سوى الخادمة التي تشعر بمسئوليتها في ضرورة العثور عليه.

وتتعدد المواقف لنصل إلى الذروة الدرامية، عندما يصبح الاتهام بالإجهاض هو السيف الموجه للبطل، من قبل الخادمة، عندما أصر على أن تغادر منزله، ودفعها إلى السلم، واتهمته بقتل الجنين وهي تهمة توصل إلى السجن ثلاث سنوات عقابا له على تلك الجريمة، ولهذا يكذب أمام القاضي، مؤكدا أنه لم يكن يعرف، ولكنه يعترف لابنته، ويصبح هنا أمام القانون يكذب ولكن ليس أمامه حل آخر؛ فهو في اللحظة التي دفعها لم يكن في يقينه مدركا أنها حامل، إلا أن القانون ليست لديه تلك المرونة في التعامل مع هذا النوع من الجرائم؛ التي نقف فيها على حافة الإدانة. عدم استيعابك في اللحظة احتمال المخاطر التي من الممكن أن يواجهها الطرف المعتدى عليه!!

الخادمة أيضا تكذب؛ فهي لم تجهض بسبب دفعه لها، ولكنها أثناء بحثها عن والده في الشوارع تفقد الجنين، وتعترف بذلك، وترفض أن تقسم على المصحف أنه أجهضها، بينما زوجها المحبط يجد أن الصفقة التي سعى إليها سيفقدها. لا يجد أمامه سوى أن يصفع نفسه، ويحطم زجاج عربة الرجل ويجري بعيدا!!

وفي مشهد شديد البلاغة يلتقي الزوج والزوجة في المحكمة، ويتوجه القاضي للابنة بأن تختار مع من تعيش، وتطلب ألا تجيب في حضور الوالدين، ونشاهدهما دقائق في ساحة الانتظار في مواجهة مع النفس. نحن الذين نفكر ونتكلم وربما نأمل أيضا بدلا من الأبطال لكي يعودا سويا.. دقيقتان أثناء كتابة التترات ونحن نسمع صخب المحكمة، ونتأمل الزوجين السابقين، ونأمل أن يعودا إلى بيتهما.. طرح المخرج "أصغر فرهادي" كل القضايا التي يعيشها المجتمع الإيراني بميزانية محدودة وبرؤية إبداعية لا تعرف الحدود.

عندما حصل المخرج مؤخرا على جائزة "الجولدن جلوبتعمد ألا يصافح المطربة "مادونا" على المسرح، حتى لا تقبله مثلما حدث مع المخرج الإيراني الشهير "عباس كيروستامى" في مهرجان "كانقبل 15 عاما، عندما قبلته وقتها رئيسة لجنة التحكيم "إيزابيل أدجانيعند حصوله على جائزة "السعفة الذهبيةويومها غضب منه الجمهور الإيراني؛ لأنه لم يعتذر عن القبلة.. "أصغر فرهادى" كان أكثر حصافة، وتجنب حتى السلام على "مادونا"؛ التي كانت قد سبقته على المسرح، ولكن هل لو حصل على الأوسكار سيظل في مأمن من القبلات!!.

(*) مقال خاص بـmbc.net