EN
  • تاريخ النشر: 01 مارس, 2011

فيلم يكشف الجانب المظلم للنفس البشرية "المقاتل".. قابيل وهابيل يمنحان كريستيان بيل الأوسكار

كريستيان بيل فقد من وزنه كثيرًا ليقترب من شخصية ديك وورد

كريستيان بيل فقد من وزنه كثيرًا ليقترب من شخصية ديك وورد

لم يكن من الصعب على كريستيان بيل أن ينتزع أوسكار أحسن ممثل مساعد عن دوره في فيلم "المقاتل أو الملاكم The Fighter"؛ ليس لأنه فقد من وزنه كثيرًا ليقترب من شخصية ديك وورد، بل لاستحضاره روح هذه الشخصية المعقدة المدمنة التي تمثل جانبًا مظلمًا؛ لا من حياة أخيه فقط بطل العالم في الملاكمة ميكي وورد، لكن من النفس البشرية ذاتها.

لم يكن من الصعب على كريستيان بيل أن ينتزع أوسكار أحسن ممثل مساعد عن دوره في فيلم "المقاتل أو الملاكم The Fighter"؛ ليس لأنه فقد من وزنه كثيرًا ليقترب من شخصية ديك وورد، بل لاستحضاره روح هذه الشخصية المعقدة المدمنة التي تمثل جانبًا مظلمًا؛ لا من حياة أخيه فقط بطل العالم في الملاكمة ميكي وورد، لكن من النفس البشرية ذاتها.

أحداث الفيلم مأخوذة عن قصة حقيقية دارت في أمريكا عام 1993. وهي في ظاهرها تتحدث عن صعود ميكي وورد بطل العالم في الوزن المتوسط للملاكمة منذ أن كان مجرد ملاكم محلي يخوض مباريات خاسرة -نتيجة ظروفه العائلية السيئة- إلى بطل للعالم، وأحد أشهر ملاكمي أمريكا طوال 10 سنوات، حتى اعتزاله عام 2003.

لكن قوة الفيلم لا تكمن في كون أحداثه حقيقية، لكننا أمام معالجة سينمائية شديدة القوة، تحتوي على أكثر من مستوى للتلقي، وتجعل من "الملاكم" أو "المقاتل" -كما هي الترجمة الحرفية للكلمة- من أكثر الأفلام الاجتماعية تأثيرًا.

المستوى الأول يقدم لنا قصة الأخوين وورد: ميكي "مات ديمونوأخوه الأكبر ديكي الذي كان ملاكمًا محليًّا شهيرًا عام 1978. هذه الشهرة جاءته من مباراة استطاع أن يهزم فيها أحد الملاكمين الكبار وقتئذٍ، لكنه بعد 14 عامًا صار مجرد شخص تافه محطم ومدمن، ويرفض الاعتراف بذلك!.

لكن كلاًّ من التفاهة والإدمان يؤدي إلى التأثير السلبي في مستقبل أخيه الأصغر ميكي الذي رباه وعلَّمه كيف يلاكم. ويبدو ميكي شخصًا شديد الوداعة في عائلة متوحشة مكونة من ثمانية إخوة وأم مسيطرة ومتنفذة "مليسا ليو" التي حازت الأوسكار لأحسن ممثلة مساعدة عن هذا الفيلم.

وتتحول وداعة ميكي إلى سلبية مقيتة في بعض الأحيان، ولا يساعده على التخلص منها سوى حبيبته شارلين صاحبة الشخصية القوية، إلى أن يدخل ديكي السجن. وهنا يقرر ميكي التخلص تمامًا من تبعية تلك الأسرة والتركيز على مستقبله.

المستوى الثاني عندما يدخل ديكي السجن وتتغير حياة ميكي، نصير أمام مستوى مختلف من التلقي؛ فمنذ بدء الخليقة وقصة الصراع الأخوي قابيل وهابيل معروفة، لكننا هذه المرة لسنا أمام صراع على امرأة، بل صراع بسبب التفرقة في المعاملة من الأم التي تعتبر ديكي ابنها الأكبر هو سندها في الحياة وحبيبها الأول والأخير، رغم كل الرجال الذين تزوجتهم، ويبدو هذا خلال مشهد غنائهما معًا في السيارة بعد أن ضبطته في وكر تعاطي المخدرات.

أما ميكي الذي تشبه وداعته وطيبته طيبة ووداعة هابيل، فلا يتعرض للقتل المادي على يد أخيه، لكن للقتل المعنوي طوال الوقت، بل والأذى الجسدي الذي يكاد يودي بمستقبله، عندما تقبض الشرطة على ديكي ويحاول ميكي تخليصه فيضربه الشرطي على يديه التي يلاكم بها.

المرأة أو الشهوة التي كانت محور الصراع بين قابيل وهابيل هي هنا محاولة الأخ الأكبر الإحساس بالنجاح عبر شعوره بأنه من يحرك أخاه ويخطط له.. إنها شهوة الامتلاك والأنانية والغيرة العمياء.

أما المستوى الثالث للتلقي فيظهر أثناء وجود ديكي في السجن؛ فديكي رغم ذلك يتمكن من تلقين أخيه بعض النصائح التي تساعده على اجتياز أول مباراة احترافية تقوده إلى الشهرة.

وتبدو شخصية ديكي هنا أشبه بالجانب المظلم في نفس كلٍّ منا؛ فهو متهور، أخرق، مدمن شهواني، يملك نزعة تدمير ذاتية، فيما يمثل ميكي الجانب المضيء أو الجيد في نفوسنا؛ فهو شريف، وطيب، ومخلص، وموهوب، وذكي. وعندما يحقق نجاحاته بعد سجن أخيه نشعر أن السيناريو ينقل إلينا رسالة تخص عملية كبت أو "سجن" النوازع الشريرة أو الجوانب المظلمة في نفوسنا التي يمثلها ديكي من أجل أن تنجح الجوانب الخيرة (ميكي) في دفعنا إلى الأمام.

وتتأكد الرسالة عندما يخرج ديكي من السجن مهذبًا وصالحًا؛ فالجوانب الشريرة في النفس البشرية يمكن، عبر الإرادة والكبت، ترويضها وتهذيبها. وديكي نفسه بعد خروجه يقرر عدم العودة إلى التعاطي، بل يساند أخاه في الوصول إلى بطولة العالم.

اختار المخرج ديفيد راسل أسلوبًا إخراجيًّا أقرب إلى الأسلوب التسجيلي؛ ربما لأن القصة ذاتها قصة حقيقية؛ حيث تعامل مع الشخصيات وأماكن التصوير وكأنه يصور "ريبورتاج" تليفزيونيًّا عنهم.

وقد وضعنا داخل هذا الإطار البصري منذ اللقطات الأولى للفيلم أثناء تصوير فيلم تسجيلي عن ديكي وورد؛ ليس بصفته ملاكمًا معتزلاً، بل بصفته مدمنًا محطمًا. ويلعب هذا الفيلم التسجيلي الذي صورته إحدى المحطات التلفزيونية وأذاعته أثناء وجود ديكي في السجن دورًا كبيرًا في تغيير شخصيته إلى الأفضل.

ويستغل المخرج نفس تكنيك التصوير عبر الكاميرا المحمولة على الكتف المستعملة في تصوير حلبات الملاكمة ليقدم لنا مشاهد كثيرة؛ ليس فقط في الحلبة، بل خارجها أيضًا، سواء في المنزل أو في "الجيم"؛ حيث يتمرن ميكي، وكأنه يقول لنا إن الصراع أو التلاكم بين الشخصيات ليس فقط في حلبة الملاكمة العادية؛ إذ حوَّل الحياة إلى الحلبة؛ أحيانًا تصير صراعًا بين البشر بعضهم وبعض أو بين البشر ونوازعهم الشريرة.

وقد رشح ديفيد راسل للأوسكار هذا العام لأحسن مخرج، لكن فيلمه انتزع جائزتي أحسن ممثل وأحسن ممثلة مساعدين. وهاتان الجائزتان دائمًا ما تُعتبران مناصفةً مع المخرج بشكل معنوي وفني؛ حيث إن المخرج هو القادر على استفزاز مشاعر ممثليه وزرع الانفعالات داخلهم ثم حصدها أمام الكاميرا، ومن ثم فإن حصول كريستيان بيل ومليسا ليو على الأوسكار تكريم ضمني لقدرة ديفيد راسل الإخراجية على إدارتهما.