EN
  • تاريخ النشر: 26 سبتمبر, 2011

تكلف قرابة 4 مليون دولار "المسافر".. ضل طريقه إلى قلوب الناس!

فيلم المسافر فشل جماهيريًا

فيلم المسافر فشل جماهيريًا

فيلم "المسافر" رغم أنه تكلف أكثر من 4 ملايين دولار، فإنه فشل جماهيريًا، أسباب ذلك نتعرف عليها في المقال المقبل.

 
 عامين من التردد والتوجس عاشها فيلم "المسافر" كانت الدولة المصرية من خلال وزارة الثقافة تبدو خائفة من عرضه على الجمهور، فهو من إنتاجها بعد قرابة 40 عامًا من التوقف عن ممارسة الإنتاج، وتكلف ما يزيد عن 20 مليون جنيه مصري كانت وقتها تقترب من 4 مليون دولار، ما سيفرض اتهامًا ضد الدولة وهو كيف أهدرت الأموال؟!.
انتقل الفيلم من مهرجان إلى آخر ليصل الرقم إلى ما يزيد عن 20 مهرجانًا وكأنه فيلم مهرجانات، بينما كاتب ومخرج الفيلم "أحمد ماهر" يراهن على أنه صنعه للجمهور.
الفيلم يروي ثلاثة أيام يتذكرها من حياة البطل الذي غادر الحياة.. الفكرة أراها شديدة الذكاء والخصوصية فهي حميمية داخل صانع الفيلم وكأنها قد مرت بمرحلة الحضانة التي طالت ربما أكثر مما ينبغي، فلقد ظل يحلم بالمشروع قرابة عشر سنوات.. ما الذي يحدث بعد انتهاء الرحلة مع الحياة "عمر الشريف" يروي لنا بعد انتهاء رصيده من السنوات أن ما تبقى له ثلاثة أيام فقط خريف 48 وخريف 73 وخريف 2001.. وكأنه يستعيد قول الشاعر أحمد شوقي "قد يهون العمر إلا ساعة وتهون الأرض إلا موضعًا".. أي أن كل ما مر بنا من أيام بحلوها ومرها لا يتبقى منها إلا هذا القليل الذي نحيا عليه لأنه يعيش فينا.. الجديد الذي أضافه "أحمد ماهر" هو أن تعيش الذكرى بداخلنا بعد انتهاء الحياة.. رغم أننا لا يمكن أن نستعيد الحدث القديم بمعزل عن سنين العمر التي عشناها والتي تضيف وربما أيضاً تحذف كثيرًا وهكذا قدم "أحمد ماهر" الأيام الثلاثة في حياة بطل الفيلم "حسن" مزيج من الواقع والخيال.
 اليوم الأول في السفينة الذي ينتقل إليه بالقطار.. إنه الشاب "حسن" موظف في مكتب البريد أدى دوره "خالد النبويونستمع إلى صوت "عمر الشريف" وهو يروي حكاية البطل الذي لديه خطاب من "فؤاد" أدى دوره "عمرو واكد" حبيب "نورا" سيرين عبد النور، إلا أنه يريدها لنفسه ويخون واجبات وظيفته ويشعر بأنها قدره المحتوم لا بد من العثور عليها.
اختار المخرج موقع السفينة التي قدمها مهندس الديكور "أنسي أبو سيف" بكل تفاصيل الأربعينيات مع أجواء للرقص بالشمعدان وموسيقى أغنية "يا حسن يا خولي الجنينة".. القبطان "يوسف داود" يحاول أن يعثر على الفتاة التي يبحث عنها "حسن" هو يريد أن يتحدى القدر يرتبط بها بدلاً من حبيبها الحقيقي "فؤاد" يتبقى من تلك العلاقة محاولة "خالد النبوي" في الاستحواذ على "سيرين" عنوة.. أوحى الفيلم بذلك في لقطات ثم تراجع في لقطات لأننا لا نرى عيون البطلة والبطل فقط يد "خالد النبوي" وهي تحاول نزع الفستان ويد "سيرين" ومقاومتها الحادة ثم استسلامها، رغم أن العيون لو اقتربت منها الكاميرا سوف تقول كثيرًا لكن المخرج تجنب اللقطات القريبة؟!.
أنت لا تتعامل مع واقع بالطبع، لكن المخرج يحاول أن يخرج بعيدًا عن هذا القيد لنتعايش مع هذه الحالة من الرؤية وهو الجزء الذي قدمه المخرج بإيقاع نابض وأيضًا لا يخلو من خفة ظل.. انتقل إلى اليوم الثاني واختار له 73 تحديدًا يوم 6 أكتوبر، وهو ما يدعم الاختيار الأول في 48 بأننا نتابع الإطار الخارجي الذي عاشته مصر والأمة العربية من 48 عام النكبة إلى انتصار 73 مع الأغنيات التي ارتبطت بتلك المرحلة مثل "على الربابة بغني" و"خللي السلاح صاحي".. ماتت الأم "نورا" سيرين عبد النور وأنجبت ابنة تشبهها تمامًا "نادية" أدت دورها أيضًا "سيرين عبد النور".. هل هي ابنته هكذا نعتقد كوننا مشاهدين، خاصة وأن الصورة التي كانت تحتفظ بها الأم التي التقطت فوق ظهر السفينة كنا نرى فيها ملامح "خالد النبويوتؤكد له "سيرين عبد النور" أن شقيقها التوأم نسخة منه.. في هذا الجزء يبدأ تحول في فن أداء الممثل "خالد النبوي"؛ حيث نشاهد "خالد النبوي" بعد أن قرر تقليد "عمر الشريف" في الأداء الصوتي والحركي بل في نظارته في فيلم "إشاعة حب" كان هذا الجزء أضعف ما في الفيلم، لأنه سرق منه الإحساس الذي كان ينبغي أن نعايشه أحال الفيلم إلى مجرد تماثل بيولوجي بين الشخصيتين، والغريب أن هذا اليوم امتد ليستحوذ على 50% من أحداث الفيلم
وينتقل إلى المرحلة الثالثة مع "حسن" عمر الشريف بعد أن تجاوز السبعين واختار خريف 2001.. ضرب البرجين حدث عالمي أثر على الإنسان العربي في العالم كله.. اللقاء مع حفيده "علي" ابن "نادية" أدى دوره "شريف رمزيونكتشف أنه مثله في شبابه غير قادر على الاقتحام يخشى العراك مع الحياة على المستوى المادي والعاطفي.. كان نسيج الفيلم وسياقه الفكري يسمح بكل ذلك لأنك لا تتعامل مع الواقع إلا أن هناك بالتأكيد قصور ما في الرؤية لدى المخرج.
في الأتوبيس النهري في اللقاء الأخير لعمر الشريف قبل أن يمضي في النهر منهيًا حياته الافتراضية نرى امرأة مع طفليها وفي أحشائها جنين لا تدرك بالطبع من هو أبيه تحديدًا، وكأنه يعيدنا إلى مرحلة الشك إنها نظرة وجودية يبحث فيها الإنسان عن علاقته بالحياة والخالق وحدود الصراع وهل الإنسان نفسه أم أنه مقيد بإرادات أخرى!.
الفيلم عرض جماهيريًا وهو مجروح بسبب هجمات بطل الفيلم "عمر الشريف" التي لم تتوقف على مدى عامين منذ عرضه في فينسيا، إلا أنني أرى أن خسارته الجماهيرية يتحملها المخرج، لأنه لم يستطع أن يمنح فيلمه مزاجًا فنيًا واحدًا كان إحساس المخرج الفني يبرق أحيانًا ويخبو أحيانًا، ولهذا فقد "المسافر" تذكرة السفر إلى قلوب الناس!.