EN
  • تاريخ النشر: 09 أغسطس, 2009

فيلم يتناول الاعتقال السياسي بسوريا "الليل الطويل" لحاتم علي يكشف القهر!

مشهد من الفيلم الذي تم عرضه بمهرجان وهران مؤخرا.

مشهد من الفيلم الذي تم عرضه بمهرجان وهران مؤخرا.

تظل تجربة فيلم "الليل الطويل" حالة سينمائية ذات حس شعري، ودلالات سياسية واجتماعية، تحتاج إلى إعادة قراءة ومشاهدة؛ لأن الفيلم من تلك الأفلام التي لا تفصح عن أسرارها منذ المرة الأولى، وإنما عبر مشاهدات متعددة، وقراءات كثيرة.

تظل تجربة فيلم "الليل الطويل" حالة سينمائية ذات حس شعري، ودلالات سياسية واجتماعية، تحتاج إلى إعادة قراءة ومشاهدة؛ لأن الفيلم من تلك الأفلام التي لا تفصح عن أسرارها منذ المرة الأولى، وإنما عبر مشاهدات متعددة، وقراءات كثيرة.

هذا هو الانطباع الذي يخرج به المرء لدى مشاهدته فيلم "الليل الطويل" الذي يُعد ثاني تجارب المخرج السوري حاتم علي مخرج مسلسل "الملك فاروق" الذي أنتجته "MBC"، والذي عُرض مؤخرا ضمن عروض المهرجان الدولي للفيلم العربي في دورته الثالثة بمدينة وهران الجزائرية.

الفيلم حصل في الشهر الماضي على الجائزة الأولى في مهرجان تاور مينا بإيطاليا، وهو ثاني فيلم ينجزه حاتم علي بعد فيلم "سيلينا" الذي عُرض في الشهر الماضي، وحقق نجاحا لا بأس به، لكونه تجربة سينمائية غنائية.

دلالة عنوان الفيلم يضمنها المخرج والسيناريست هيثم حقي -صاحب النص السينمائي- من خلال الأحداث التي تدور في ليلة واحدة لتمثل -في مستوى من مستويات التحليل- ليلة طويلة عندما يصدر قرار بالإفراج عن مجموعة من المعتقلين السياسيين في سجون حزب البعث الحاكم بعد عشرين عاما من الاعتقال، وذلك في عهد الرئيس السوري الحالي بشار الأسد، كما تشير صورته الموضوعة في خلفية مكتب المسؤول الأمني الذي يبلغ المعتقلين بقرار الإفراج، كما يتم إبلاغ أبنائهم بهذا القرار في الليلة نفس ليستعدوا لاستقبالهم.

وهنا تبدأ ملامح النص في التجلي بشكل واضح، فالآباء المعتقلون يمثلون الجيل السابق الذي تم الزج به في السجون، نتيجة كونه معارضا أو مناهضا للحكم، ليس فقط في سوريا، ولكن ربما في كل الدول العربية. وجيل الأبناء يمثل الأجيال التالية التي عاشت حياة أكثر راحة، بعد أن تخلت عن القيم التي زرعها فيها آباؤهم المعتقلون. ويرمز السيناريو لتلك القيم من خلال أسماء الأبناء التي نسمعها طوال الفيلم مثل: نضال وكفاح وثائر وعروبة!

يعتمد السيناريو على عملية "نمذجة" واضحة صبغت الأحداث بشكل من المباشرة الفجة في كثير من الأحيان، لكن ربما لم تجعل طبيعة القصة مفرا من تلك المباشرة، فتتبع القصة يجعلنا نكتشف أن أبناء المعتقلين تزوج بعضهم بعضا، ليشكلوا ملامح المجتمع الحالي بكل تناقضاته، ومشاكله.

فقد هاجر بعضهم تاركا الوطن مثل شخصية ثائر (التي قدمها حاتم علي بنفسه في أداء تمثيلي جيدوالذي تزوج ابنة صديق والده المعتقل معه، وسافر إلى باريس ليعيش هناك هو زوجته وابنته حياة فرانكفونية مزدوجة تخلو من الروح.. يأكل فيها كل منهم بمفرده، ويتحرك بمفرده، ولا تدب الروح في تلك الحياة إلا عندما يصل إلى ثائر وزوجته نبأ الإفراج عن أبويهما.. ساعتها يشعران بالحياة تدب فيهما، وتتبلور تلك الحياة في شكل لقاء جنسي يحدث بينهما في دلالة واضحة على عودة إنسانيتهم التي جردتها منهم الغربة والبعد عن الوطن والأهل.

وعلى النقيض من ثائر، هناك "نضال" أكبر الأبناء، الذي يلقب أبوه باسمه "أبو نضالوهو رب الأسرة الطيب الذي عاش في منزل والده، وتزوج وأنجب، وفي الليلة التي علم فيها بنبأ الإفراج عن أبيه يقرر أن يخلي له غرفته التي احتلها هو وزوجته، وأن يعيد إليها كل الأثاث الذي تبعثر في المنزل بعد اعتقال الأب.. في دلالة واضحة على تغير شكل الحياة، واختفاء ملامح العالم القديم الذي ضحى الآباء بأعمارهم من أجله.

ونتابع طوال الليل عملية إعادة تشكيل ملامح غرفة الأب، كما تركها، لكننا ندرك في النهاية أن ذلك بلا جدوى، فالأب لن يصل للمنزل بأي حال من الأحوال، فهو يموت على أعتاب المنزل.. دلالة على موت الأفكار التي طالما دافع عنها أو عارض من أجلها!

لا يبقى من حملة مشاعل الكفاح القديم إلا "كفاح" أصغر الأبناء الذي يبدو فنانا بوهيميا، يعيش حياة تخلو من وجود حقيقي، ويتحول إلى صوت الضمير الذي يستيقظ في تلك الليلة ليشتبك مع إخوته وزوجاتهم وأزواجهم، مذكرا إياهم بالحقيقة التي طمستها سنوات الاعتقال الطويلة للآباء، وهي أنهم رضوا بأن تصاغ حياتهم وفق القيم والملامح التي رفضها جيل الآباء، بل تمادوا في أنهم عارضوا رغبة آبائهم في كل شيء!

فعروبة -التي قدمت شخصيتها بأداء مميز النجمة أمل عرفة، وهي ابنة أبي نضال- تزوجت من ابن صديقه المعتقل، تماما مثل أخواتها الرجال، ولكن تم ذلك دون إرادة الأب الذي كان معارضا لهذه الزيجة، وفجأة في الليلة التي سمعت فيها نبأ خروج الأب اكتشفت أن عليها أن تواجهه للمرة الأولى بأنها تزوجت رغما عن إرادته وينوب أخوها الأصغر "كفاح" في تذكيرها بذلك، كأنه صوت الأب القديم المقبل من سنوات بعيدة.

لكن الجميع يكتشف في النهاية أنه ليس كل ما عارضه الآباء في الزمن الماضي كان يستحق المعارضة، وأن آراءهم ليست مطلقة وإنما تحتمل النقاش والرفض، ومن هنا تأتي قوة هذا الفيلم الذي لا يتخذ جانب أحد.. لا المعتقلين ولا المجتمع الذي اعتقلهم، وإنما يطرح تلك المشكلة تاركا لذهن المشاهد أن يغادر السينما محملا بأفكارها.

على الرغم من أن المخرج حاتم علي يتعامل في مسلسلاته التليفزيونية بإيقاع سينمائي، سواء من خلال التصوير بكاميرا واحدة أو من خلال حركات وزوايا الكاميرا -كما رأينا في رائعته "الملك فاروق"- فإنه لا يزال يعاني في بعض الأحيان من تأثير الإيقاع التليفزيوني على صورته السينمائية، برغم استخدامه لكثير من الكنايات البصرية في بداية الفيلم، مثل مشاهد تداخل الأسلاك الشائكة والقضبان مع أجساد المعتقلين، كأنهم من طول ما اعتقلوا صار السجن جزءا منهم، أو مشهد ازدواج صورة ابنة ثائر وزوجته في المرآة؛ دلالة على الحياة المزدوجة التي يعيشونها أو عملية الانتقال من مكان لمكان في نفس الليلة عبر استخدام أشياء مشتركة، مثل تركيزه بالكاميرا على ماء يغلي في مطبخ "عروبةثم الانتقال إلى إناء الطعام المغلي في مطبخ منزل "نضال" أخيها دلالة على غليان نفوسهم بالتوتر بعد سماع نبأ الإفراج عن الأب.

لكن حاتم علي يقع في فخ التصوير التليفزيوني للحوار، خاصة مع طول المشاهد، إذ تم تثبيت الكاميرا على زوايا واحدة، والانتقال من وجه لوجه، مما فصلها عن الواقع الذي تتحرك فيه، وتتوقف عملية توظيف البيئة المحيطة، سواء الإضاءة أو أشياء، لنجد أنفسنا أمام مشاهد تليفزيونية طويلة لا تناسب إيقاع السينما المكثف والحميمي.