EN
  • تاريخ النشر: 09 نوفمبر, 2011

"الشوق".. يستعـيد جماليات الواقعية

fan article

الكاتب زياد عبد الله

رؤية نقدية للفيلم المصري «الشوق» للمخرج خالد الحجر الذي عُرض في الدورة الثالثة من مهرجان الدوحة «ترابيكا» التي أنهت عروضها السبت الماضي

تضرب الأمكنة حصارًا على سكانها، وعلى شيء من اللعنة التي تمنعهم من الخروج منها، وإن كان هذا الخروج ولادة جديدة. قد تكون الولادة متعثرة أو مجهضة أيضًا، بما يجعل من الاستسلام للمكان أمرًا أكثر سهولة واستكانة. هنا سيحضر المكان بوصفه صاحب السطوة الكبرى على من يقطنه، وهو الذي يقرر الأخلاقيات والمعتقدات والتقسيمات. وهنا يمكن الحديث عن القرية والحارة والحي العشوائي وغيرها، ومن ثم فإن على الساكن فيها أن يتطبع بما يسودها، وعلى شيء من اتباع للأعراف التي تسري في اتفاق غير متفق عليه بين السكان.

 

فيلم المصري خالد الحجر «الشوق» الذي عُرض في الدورة الثالثة من مهرجان الدوحة «ترابيكا» التي أنهت عروضها السبت الماضي؛ رغم إعلانه سحبه يوم ختام المهرجان، والحائز الجائزة الكبرى في الدورة الـ34 لمهرجان القاهرة ومرشح مصر هذا العام للأوسكار؛ يأتي مما تقدم، وعلى شيء يقول لنا ذلك مع اللقطات الأولى من الفيلم التي جاءت متوسطة الطول وأحيانًا طويلة، بما يشبه تعريفنا بسكان حي عشوائي في مدينة الإسكندرية؛ هناك من تفتح شباك بيتها، وذاك الأعمى الذي يجري التركيز على أذنيه،فيما يخرج أحدهم ويفتح دكانه، وينتفض شاب من مكانه ويخرج له كرسيًّا ليجلس عليه، وصولاً إلى من ينال رخصة تتيح له فتح دكان من بيته، وغير ذلك مما يقول لنا من البداية إننا حيال مجموع بشري سنتابع العلاقات المنسوجة بينه في حيز مكاني يشغل النطاق الذي تتحرك فيه الكاميرا بداية.

 

بالانتقال إلى عائلة شوق، فإننا سنكون أمام مرتكز الدراما في الفيلم سنتعرف إلى أم شوق (سوسن بدر) التي ستكون الشخصية الرئيسة في الفيلم، وزوجها «سيد رجب» الذي يعمل في تصليح الأحذية، إضافة إلى شوق (روبي) وأختها عواطف (كوكيبحيث سيمسي ما يصيب تلك العائلة معبرًا إلى جميع المحيطين بها.

 

قبل المضي مع أحداث الفيلم، يجب التنويه بأن شخصيات الفيلم مرسومة بحِرَفية عالية. ولها أن تكون على قدر كبير من التميز والخصوصية، بحيث تمسي الثانوية منها مماثلة في حضورها ومزاياها الرئيسة منها؛ فلكل شخصية ما يبقيها ماثلة في الذهن، حتى وإن كانت شخصية أم شوق هي الأكثر حضورًا وخصوصية؛ فأم شوق تقرأ الفال، وتطحن البن وتخلطه بالقمح؛ فطعم القهوة ليس مهمًّا أمام قراءة الفنجان، وتتحول إلى شخصية هستيرية متى استفزها شيء، وقد تكون نوباتها تلك مبنية على أسس واهية؛ فهي سرعان ما تفقد أعصابها وتبدأ بطرق الحائط خلفها برأسها، وبإيقاع متواصل، كما لو أنها تصبح في مكان آخر وهي تصرخ «يا ولاد الكلب». ولولا حضور جارتها ووضع وسادة خلف رأسها لبقيت كذلك إلى أن ينزف رأسها وتموت.

 

هناك في المحيطين بها من على صراع مع ابنها الذي سرعان ما يترك البيت ويغادر الحي، وأمه تعيش شهواتها غير المحققة؛ لكون زوجها أصيب في الحرب، وهو غير قادر على تلبية احتياجاتها العاطفية.. هذا الشاب سيكون على علاقة حب بعواطف، لكنه سرعان ما يتخلى عنها أيضًا بوصفها تنتمي إلى هذه الحارة «اللعينة» التي يريد تركها بأي شكل، فيما تكون شوق على علاقة حب مع حسين (أحمد عزمي) الذي يعمل في دكان والده وينتظر تعيينه الحكومي، بعد أن أنهى دراسته الجامعية. ولعل هذه العلاقات تكون بمنتهى البراءة والحلم إلى أن يتغير كل شيء.

 

نقطة انعطاف الفيلم الرئيسة ستكون مع مرض أخي شوق الصغير بالفشل الكلوي، ومسعى أم شوق ووالدها إلى توفير المبلغ اللازم لغسل الكلى؛ الأمر الذي ينجحان فيه أول مرة، إلا أن الفشل سيكون من نصيب المرة الثانية؛ ما يؤدي إلى موته. وللدقة، فإن أم شوق تنجح في جمع المبلغ المطلوب، لكن تتأخر في ذلك؛ فهي من عائلة غنية تعيش في طنطا، وكانت قد هربت في شبابها مع زوجها الحالي، ولم ترَ أفراد عائلتها منذ هروبها؛ إذ تذهب لطلب المال منهم تعدل عن ذلك، ولا تجد نفسها إلا في قطار متوجه إلى القاهرة، وهناك ستكتشف أن بمقدورها جمع مبالغ لا بأس بها من المال من التسول، وهي تقول عبارة واحدة فقط: «الولد بيموت»، ولتواصل ذلك بعد وفاة ابنها أيضًا.

 

لن أواصل مع الأحداث، لكن يجب العودة إلى الخروج من الحي الذي بدأنا به؛ حيث خروج أم شوق من الحي الإسكندراني إلى القاهرة، وغيابها عنه فترات طويلة، سيضعها في مسار آخر، ستسعى إلى السيطرة على سكان الحي عبر معرفتها بنقاط ضعف كل واحد منهم وحيواتهم السرية، وعندما لا يتوافر ذلك فإنها ستلجأ إلى المال، وستلعب دور المهيمن على الحي، لكن هذه الهيمنة ليست مهمة أمام تعريتها كل شخصية على حدة، ووضع كل فرد محيط بها أمام مرآة لا يستطيع إشاحة وجهه عنها، وفي مسار موازٍ ستلقى ابنتاها مصيرًا مغايرًا لما كانتا تسيران عليه، خصوصًا بعد رفضها حسين حين يتقدم لخطبة شوق.

 

جميع الشخصيات واقعة تحت رحمة دوافع خفية، وإن كان لي أن أفكر بالعنوان بوصفه اسم الشخصية التي تجسدها روبي فهذا لن يكون كافيًا.. إنه الشوق على اعتباره ذلك الدافع الخفي. وهنا هو توق الشخصيات إلى ما تعجز عنه، ولكل شخصية ما تتوق إليه في هذا السياق، فيما يحتوي الحيز الدرامي على بناء واقعي لن يكون المضي نحو نهاية الفيلم التراجيدية إلا أمرًا واجبًا، في وفاء للواقع.

ولعل السمة الكبرى التي تجعل من فيلم «الشوقً فيلمًا مهمًّا هو وفاؤه للواقعية المصرية في أجمل تجلياتها، وانصياعه التام للمصائر التي تبنى للشخصيات دون وصفات جاهزة خارجة من رحم العشوائيات التي أصبحت مجالاً حيويًّا لكثير من الأفلام في السنوات الخمسة الأخيرة.

مع «الشوق»يمكن تلمّس ملامح من واقعية يوسف، وخيري بشارة، وداود عبد السيد، وعاطف الطيب، في تناغم من بنية بصرية مؤسسة على سيناريو محكم كتبه سيد رجب الذي لعب بأداء مميز دور أبو شوق.. إنه فيلم درامي معجون بالواقع.

----------

(*) نقلاً عن صحيفة الإمارات اليوم.