EN
  • تاريخ النشر: 18 يونيو, 2009

فيلم فلسطيني.. بإنتاج من "MBC" "الزمن المتبقي".. مقاومة الاحتلال بالفن السابع

لقطة جماعية لفريق العمل في الفيلم يتوسطهم إيليا سليمان

لقطة جماعية لفريق العمل في الفيلم يتوسطهم إيليا سليمان

"الزمن المتبقي" فيلم فلسطيني وُلد ليبقى شاهدًا على تاريخ لا يمكن لجغرافيا الاحتلال الإسرائيلي أن تمحوه، لا من الذاكرة، ولا على أرض الواقع. هذا أبرز ما يمكن أن يخرج به المرء بعد مشاهدته فيلم "الزمن المتبقي" للمخرج "إيليا سليمانالذي شهد مهرجان "كان" عرضه في المسابقة الرسمية له مؤخرا، بل وكان أحد الأفلام المرشحة للفوز بالسعفة الذهبية للمهرجان، وقد أسهمت في إنتاجه MBC"".

"الزمن المتبقي" فيلم فلسطيني وُلد ليبقى شاهدًا على تاريخ لا يمكن لجغرافيا الاحتلال الإسرائيلي أن تمحوه، لا من الذاكرة، ولا على أرض الواقع. هذا أبرز ما يمكن أن يخرج به المرء بعد مشاهدته فيلم "الزمن المتبقي" للمخرج "إيليا سليمانالذي شهد مهرجان "كان" عرضه في المسابقة الرسمية له مؤخرا، بل وكان أحد الأفلام المرشحة للفوز بالسعفة الذهبية للمهرجان، وقد أسهمت في إنتاجه MBC"".

برؤية تنتقل عبر 60 عامًا من الماضي؛ حيث يتحدث الفيلم عن فلسطيني 48، وحتى اللحظة الآنية، قدم لنا "إيليا سليمان" في "الزمن المتبقي" فيلما سينمائيا فلسطيني الهوى والهوية، وهو يهديه إلى الغائب الحاضر، وينهيه بإهداء إلى روح والديه فهما الغائبان الحاضران.

الفيلم توثيق للذاكرة التي تحاول إسرائيل محوها، ولا نستطيع أن نضعه في إطار أفلام السيرة الذاتية بمعناها المباشر.. فلا أتصور أنها سيرة مباشرة للأسرة، بل تسللت إليها تفاصيل كثيرة، مما عايشه الآخرون أيضًا أقصد بهم الأقارب والجيرانكما أن هناك أحداثًا عامة عبر عنها برؤية تمزج بين كتابة اليوميات المباشرة، والحس الأدبي الروائي الذي يأخذ تفصيلة ما، وينسج حولها عددا من الخيوط.

النص الكوميدي الساخر لا يغادر الشريط السينمائي، ودائمًا الأغنية العربية حاضرة بأصوات "ليلى مراد"، "عبد الوهاب"، "نجاة"، "فيروز" فهي أيضًا أحد أسلحة إعلان الهوية.. الطفل "إيليا سليمان" ولد بعد نكسة 1948 بـ 12 عامًا، وبهذا فإن السنوات الأولى من الفيلم تستطيع أن تعتبرها من حكايات والديه وخياله، وما يدخل في إطار الذاكرة الجماعية للشعوب.

حرص المخرج على تأكيد أن الفلسطينيين قاوموا الاحتلال ببسالة، وتعرضوا لكل أنواع القسوة والعنف، وأن مجرد الشك وردود فعل أي رجل أو شاب فلسطيني قبل وقوع النكبة، كانت تؤدي مباشرة إلى تعذيبه ثم قتله ليصبح عبرة لمن يحلم بالمقاومة كحق مشروع!

من المشاهد المؤثرة في الفيلم "إيليا".. البطل وهو طالب في المدرسة يغني ليوم الاستقلال الإسرائيلي بالعبري والعربي، وهكذا كان على الإنسان أن يشارك في الاحتفال بذكرى النكبة الفلسطينية على اعتبار أنه يوم الاستقلال.

ونرى عددا من الأنماط، مثل ذلك الرجل الذي يضع الكيروسين على جسده وفي كل مرة يهدد بإشعال النيران ثم يتراجع.. ونرى أيضًا الرجال على المقهى، وبينهم "إيليا سليمان" لا يفعلون شيئًا سوى الصمت ومتابعة ما يجري في الشارع بعيون محايدة.. نشاهد رجلين يذهبان للصيد يوميًّا وفي عزّ الليل تأتي عربات الجيش الإسرائيلي متسائلة عن أسباب وجودهما خارج البيت وبذكاء إبداعي يكثف المخرج دائمًا زمن الحدث المتكرر ويترك المتفرج هو الذي يكمل ما تم اختصاره.

ونقترب من النهاية ونجد أن الشباب في "رام الله" يذهبون إلى "الديسكو تيك" متحدين قرار حظر التجول الذي أعلنته الحكومة الإسرائيلية.. الشباب الأعزل يقاوم بالهتاف والحجارة وأيضًا بممارسة الحياة، بينما المحتل الإسرائيلي لديه الجنود والعتاد والذخيرة وليس لديه الحق في مصادرة حق الحياة!

وللدلالة على المقاومة المدنية المغلفة بروح التحدي والسخرية يقدم "إيليا سليمان" مشهدًا لامرأة تجر عربة بها طفلها الرضيع، ويقول لها الجندي الإسرائيلي: "عودي إلى بيتك" ترد عليه قائلة "عد أنت إلى بيتكوتستمر في طريقها.

وأيضًا من المشاهد التي قدمها بخفة ظل، وفي الوقت نفسه تملك القدرة على أن تقول كثيرا بلا صخب.. هذا الشاب الذي يتحدث في المحمول وفي الوقت نفسه تتابعه فوهة الدبابة الإسرائيلية.. إنه يتحرك في الشارع أمام بيته ويجري مكالمة مع صديق له، لكن الخوف الإسرائيلي الكامن في الأعماق لا يعترف إلا بالقوة الغاشمة التي لا تشعر بالأمان إلا وهي تشهر أسلحتها الثقيلة في وجه المواطنين العزل الأبرياء.

نرى في الفيلم أيضًا الأحداث السياسية والعسكرية التي عاشتها الأمة العربية، وانعكاسها على الفلسطينيين داخل حدود الوطن بعد هزيمة 67، ورحيل "جمال عبد الناصر" أما انتصار 73، فمن الواضح أن المخرج لم يجد فيه شيئًا على مستوى العلاقة بين الفلسطينيين المقيمين في الداخل، والسلطة الإسرائيلية، لهذا لم يستوقفه في تقديم ردود الفعل!

الملاحقات الأمنية الإسرائيلية نراها طوال الأحداث تعبر عن خوف إسرائيل أكثر مما تعبر عن قوتها.. ويقدم "إيليا سليمان" ثلاث مراحل من حياته من خلال ثلاثة ممثلين، وهو الذي يؤدي في النهاية دوره في الجزء الأخير من الأحداث، كما استعان بممثلين يشبهونه كثيرًا، سواء في أداء دور "إيليا" طفلًا ثم "إيليا" شابّا.. وكانت شفرة هذا التشابه تلك النظرة وملامح العينين التي تميز بها "إيليا".

ومثل آخر أفلامه الذي اشترك به في "كان" قبل 7 سنوات "يد إلهيةلجأ المخرج إلى التعبير بالخيال، وهو يعبر فوق الحاجز الذي أقامته إسرائيل -برغم عمق ودموية المأساة- إذ تخيل نفسه لاعب "زانةويمارس القفز باستخدام تلك العصا الطويلة، كأن ما يعجز عن تحقيقه في الحياة تنجح الأحلام في إحالته إلى واقع.

أخيرا: حرص المخرج على أن يظل فيلمه متمتعًا بروح ساخرة، وكان يلجأ إلى التوثيق في رؤية أشبه وأقرب إلى التسجيل اليومي للأحداث، عندما يجد أن تلك الوسيلة قادرة على الوصول للجمهور، والحفاظ على روح فيلمه، وأحيانًا أخرى يتكئ على الخيال، ويرسم للشخصيات الواقعية مواقف درامية عندما يكتشف أنه الوسيلة الأنسب للتعبير عن الحقيقة التاريخية.