EN
  • تاريخ النشر: 06 ديسمبر, 2010

فيلم يروي عجز السلطة أمام "مقدسات وهمية" "الجامع".. ديكور مسجد مغربي يعري التدين المزيف

مشهد من فيلم الجامع المغربي الذي يعري النفاق الديني

مشهد من فيلم الجامع المغربي الذي يعري النفاق الديني

منذ ثلاثة أعوام فاز الفيلم المغربي "في انتظار بازوليني" للمخرج داود أولاد السيد بعديد من الجوائز؛ التي جعلت من اسمه واسم مخرجه تجربة فارقة في السينما المغربية الحديثة، ولكن لم يكن المخرج يتصور أن ما سوف يقدمه له هذا الفيلم أهم بكثير من كل الجوائز التي حصل عليها، حيث إنه قدم له فكرة فيلمه التالي "الجامع".

  • تاريخ النشر: 06 ديسمبر, 2010

فيلم يروي عجز السلطة أمام "مقدسات وهمية" "الجامع".. ديكور مسجد مغربي يعري التدين المزيف

منذ ثلاثة أعوام فاز الفيلم المغربي "في انتظار بازوليني" للمخرج داود أولاد السيد بعديد من الجوائز؛ التي جعلت من اسمه واسم مخرجه تجربة فارقة في السينما المغربية الحديثة، ولكن لم يكن المخرج يتصور أن ما سوف يقدمه له هذا الفيلم أهم بكثير من كل الجوائز التي حصل عليها، حيث إنه قدم له فكرة فيلمه التالي "الجامع".

يشارك فيلم "الجامع" في المسابقة العربية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ34، حيث يعد منافسا قويا لأفلام المسابقة؛ نظرا لجدة موضوعه وقوة أسلوبه الفني.

كان فيلم "في انتظار بازوليني" يحتوي على ديكور لأحد المساجد يتم استخدامه في أحداث الفيلم، حيث يقوم أحد الأشخاص بجمع التبرعات له، وتتم المقارنة بين أن يتم صرف الأموال على السينما أم بناء المسجد.

وقد حقق الديكور الغرض منه في الفيلم، وبعد أن انتهى التصوير قام عمال الديكور بهدم كل الديكورات، وعندما وصلوا إلى ديكور الجامع رفض أهل القرية التي صور فيها الفيلم أن يتم هدم ديكور الجامع، حيث إنهم اعتبروه قد صار مسجد القرية، خاصة أن الكومبارس كانوا يصلون به أثناء التصوير، على رغم أنه لا تتوافر فيه شروط المساجد الشرعية، ولكن هذا الديكور مبني على أرض لرجل من أهل القرية يدعى "موحاوبين عشية وضحاها أصبح عليه أن يتنازل عن تلك الأرض لصالح ديكور مسجد غير حقيقي!.

موحا هو الشخصية الرئيسة التي تدور حولها أحداث "الجامعفهو رجل بسيط يمتلك قطعة أرض، ويعمل هو وزوجته بالتمثيل كـ"كومبارس" في الأفلام المغربية والأجنبية التي يتم تصويرها في مدينة ورزازات أشهر مناطق التصوير السينمائي في المنطقة العربية، التي يتم تصوير أهم أفلام هوليود فيها مثل: "مملكة الجنة" و"عودة المومياء".

هذا الشخص (موحا) يلجأ إلى المخرج داود أولاد السيد؛ الذي يظهر بشخصيته الحقيقية في الفيلم، لكي يشكو له مسألة ديكور الجامع التي يرفض أهل القرية هدمه، مستغلين فكرة أنه حرام أن يهدم بيت من بيوت الله، على رغم أنهم يعلمون أنه ليس جامعا حقيقيا وإنما مجرد ديكور.

ويقدم المخرج نفسه في الفيلم بصورة سلبية جدا، حيث لا يتمكن من مساعدة موحا في مشكلته، وإنما يتحجج بأن لديه موعدا ويرحل، تاركا موحا يصارع بمفرده ثلاثة قوى غير منظورة، ولكنها حقيقية وذات نفوذ وقوة.

القوة الأولى هي الإمام المدعى، وهو مجرد ممثل من فيلم "بازوليني" كان يجمع التبرعات من أجل بناء المسجد، وها هو في الفيلم الجديد -أو لنقل في الواقع أو الحقيقة (حيث إن الجامع يدور بشكل واقعي جدا، وكأنه فيلم تسجيلي عن حادثة حقيقيةيظل مدعيا أنه إمام هذا الجامع؛ فهو إذن إمام مزيف لهيكل خارجي يدعى -مجازا- "جامعا".

وهنا يهاجم أولاد السيد بشدة مدعي الدين أو مستغلي الدين الذين يمارسون أدوارا على الساحة الدينية ليست أدوارهم، بل هم في الأصل مجرد ممثلين، وليس أبلغ من المشهد الذي تزور فيه مجموعة من السواح القرية، فيرتدي هذا الإمام المدعى ملابس جندي روماني، ويقوم بالتصوير معهم على اعتبار أنه أحد الممثلين الذين يشاركون في الأفلام الأجنبية؛ التي يتم تصويرها في المغرب.

القوة الثانية التي يواجهها "موحا" تتمثل في مشهد استشارته أحد الفقهاء؛ لكي يفتيه في أمر ديكور الجامع، إذ يجد موحا نفسه أمام فقيه جامد العقل، لا يريد أن ينظر للأمور سوى من نظرة ضيقة، حيث يعتبر أن ديكور الجامع هو مسجد بالفعل، وأن على موحا أن يتنازل عن الأرض لصالح بيت الله.

وكلما حاول موحا أن يفهمه أنه ليس بيتا لله بل ديكورا سينمائيا لا يستمع الفقيه! بل يعد موحا بأجر الآخرة، غاضا الطرف عن رزق الدنيا الذي يأتي موحا من وراء زراعة الأرض أو تأجيرها.

وأجمل ما في شخصية موحا أنه رجل متدين بالفعل ومصلٍّ؛ حيث نراه -في أكثر من مشهد- يتوقف لأداء الصلاة، وبالتالي نحن لسنا أمام شخص علماني أو قليل الدين يرغب في هدم ديكور الجامع، وهذا الملمح المتدين في شخصية موحا صنع حالة من التوازن الدرامي في الفيلم؛ خاصة أنه يتناول قضية حساسة، ربما شجعت البعض على اتهامه بأنه يحرض على هدم المساجد.

لكن جوهر الفيلم هو في فضح كيفية استغلال قوة الدين بشكل غاشم لصالح أغراض دنيوية، والبعد عن ترجيح العقل في مقابل التعامل الجامد مع النصوص. وتتوازن شخصية الفقيه الجامد بشخصية فقيه آخر زاهد في الحياة يعيش في المقابر يلجأ إليه موحا ليستفتيه، فيفتيه هذا الفقيه المتنور بأن هذا مجرد ديكور وليس مسجدا حقيقيا، ويسوق له الأدلة الشرعية والفقهية على ذلك.. بل ويتوجه معه لهدم الديكور.. لكنهما يواجهان هناك القوة الثالثة.

يمثل شيخ القرية -أو المقدم كما يطلقون عليه- القوة الثالثة التي يواجهها موحا، والتي تتسبب -في النهاية- في هزيمته تماما؛ حيث إن المقدم يمثل السلطة الحكومية الجبانة التي تخشى على "الكرسي"؛ فالمقدم يخشى من غضبة أهل القرية ومن نفوذ الإمام الكاذب؛ الذي يبدأ في جمع تبرعات لصالح استكمال بناء الجامع، تماما مثلما كان يحدث في فيلم "بازولينيولكنه يحدث في الواقع هنا (الواقع الفيلمي).

وتطلب السلطة الجبانة من موحا أن يسافر ألف كيلومتر إلى الرباط؛ لكي يحصل على ترخيص هدم ديكور الجامع من المركز السينمائي المغربي، وهي الجهة التي حصل منها صناع فيلم "بازوليني" على ترخيص بناء الديكور.

هذه السفرة لا تتم أبدا؛ لأنها شرط بيروقراطي تعجيزي من الشروط البيروقراطية التي تفرزها الأنظمة الحكومية المريضة، حتى يبقى كل شيء على ما يرام، ويستتب النظام بشكل ظاهري، بينما تتولد داخل المواطن المقهور أو العاجز رغبة انفعالية في التدمير، كرد فعل عكسي نتيجة الإحساس بالظلم والقهر.. هذه الرغبة نلمحها في عيون موحا في المشهد الأخير.. عندما يتم القبض عليه وترحيله في سيارة حكومية مع أحد رجال الشرطة.. حيث يلمح موحا "البلدوزر" الذي أراد أن يهدم به ديكور الجامع، فينظر له نظرة ذات مغزى.. تدل على أن الرغبة في هدم الديكور واستعادة أرضه لا تزال تراوده.