EN
  • تاريخ النشر: 25 أكتوبر, 2009

فيلم يطوف 3 مهرجانات عربية "ابن بابل".. الناي والبندقية يواجهان العراق الممزق

الابن يعزف بناي الأب في حضن الأم

الابن يعزف بناي الأب في حضن الأم

قراءة متأنية لحال وطن محتل، يحملها فيلم "ابن بابل" للمخرج العراقي "محمد الدراجيبعد أن انتقل من مهرجان "أبو ظبي" إلى "الدوحة" ثم "القاهرةتؤكد أن أخطر ما يواجه العراق حاليا هو التمزق الحاد بين أبنائه، عبر إبراز التناقض الذي يعيشه بطل الفيلم الطفل الكردي؛ الذي يجيد اللغة العربية بنفس درجة إجادته للكردية، وحيرته بين "ناي" أبيه؛ الذي يريد أن يعزف ألحانه، و"سترة" أبيه العسكرية، التي يحلم بأن يرتديها!.

قراءة متأنية لحال وطن محتل، يحملها فيلم "ابن بابل" للمخرج العراقي "محمد الدراجيبعد أن انتقل من مهرجان "أبو ظبي" إلى "الدوحة" ثم "القاهرةتؤكد أن أخطر ما يواجه العراق حاليا هو التمزق الحاد بين أبنائه، عبر إبراز التناقض الذي يعيشه بطل الفيلم الطفل الكردي؛ الذي يجيد اللغة العربية بنفس درجة إجادته للكردية، وحيرته بين "ناي" أبيه؛ الذي يريد أن يعزف ألحانه، و"سترة" أبيه العسكرية، التي يحلم بأن يرتديها!.

السؤال المبدئي هو: هل تستطيع السينما العراقية أن تتخلص من جراحها؟ وهل هناك على أرض الواقع شيء آخر غير مأساة هذا الشعب، الذي عاش الكبت والفساد والظلم طوال حكم "صدام حسينوهو الآن يعيش ما هو أسوأ؟؟ إنها الحرب الشعواء التي لا تعرف رحمة بين أبناء البلد الواحد.

يحرص العراق إذن على أن يوجد على الخريطة السينمائية على رغم كل ذلك، ويستلهم السينمائي ما يطرحه من الواقع، ولا يستطيع أحد أن يدافع عن مشروعية الغزو الأمريكي للعراق، حتى لو تدثر برداء كاذب هو الدفاع عن الحريات وحقوق الأقليات؛ لأن ما أحدثته آلة الغزو الأمريكي أدت إلى ما هو أبعد من اغتصاب الأرض.. إنه التقاتل بين أبناء البلد الواحد على الأرض نفسها.

من هنا ينتظر بعضهم أن يقدم السينمائي خطبة يشجب فيها العدوان الأمريكي، وإلا سيتم اتهامه سريعًا بالترحيب بالغزو.. لكن الواقع أنه بعد نهاية عرض "ابن بابل" في المسابقة الرسمية لمهرجان "أبو ظبي" تردد هذا السؤال: لماذا لم نر مقاومة العراقيين لأمريكا؟ وأين هو بالتحديد الصلف الأمريكي؟! بل سمعت اتهامًا مباشرًا للمخرج وكأنه مسؤول عما جرى في العراق، أو أنه يؤيد الاحتلال الأمريكي؛ لمجرد أننا لا نرى مشاهد للمقاومة العراقية، ويوجه الفيلم طاقته لفضح كل ما جرى على يد "صدام حسين"!.

الحقيقة أننا تعودنا على أن نستسلم لتلك النظرة القاصرة، على رغم أنها تحمل كثيرًا من العبث والمراهقة في الرؤية، فليس مطلوبا من العمل الفني أن يهتف ضد أمريكا لكي يثبت أنه عمل وطني، وليس مطلوبا منه أن يقذف "جورج بوش" بالحذاء ليؤكد عداءه الشديد له، مثلما حدث عندما طار حذاء الصحفي العراقي "منتظر الزيدي" إلى رأس الرئيس الأمريكي السابق "جورج بوش".

نحن بصدد اتساق فني بين نسيج الفيلم والإطار الذي اتكأ عليه المخرج، وبين الأفكار المطروحة، ومن ثم لم تكن هناك مدعاة -على الإطلاق- لكي نرى المقاومة ضد أمريكا، بقدر ما نرى ما حدث للإنسان العراقي في هذا الفيلم.

ربما لم يتجاوز ظهور الجيش الأمريكي في الفيلم مشهدين فقط، وبالطبع قدمهما المخرج بدرجة واضحة لا تحتمل اللبس؛ فهو مليء بالغضب والرفض، إلا أن قضية الفيلم لم تكن الاحتلال الأمريكي للعراق بقدر ما هي العراق الآن وغدا.. لأنه من المنطقي أن تنسحب كل القوى الأجنبية بضربات المقاومة العراقية الباسلة، ولأن هذه القوات لن تستطيع البقاء للأبد على أرض العراق، ومن ثم لن يستطيع العراق أن يبدد ظلام الليل الطويل الذي عاش فيه، إلا إذا تمكن أولا من أن يضمد جراحه الغائرة التي أحدثت ندوبا، وتركت صديدا على جسد الإنسان، ولم يعد يجدي معه أي مسكنات، وتلك هي قضية الفيلم العراقي.

الفيلم يتناول رحلة طفل مع جدته إلى مدينة "الناصرية" للعثور على الأب.. أحداثه تبدأ في اللحظة التي سقط فيها نظام "صدام حسين" عام 2003.. الطفل عمره 12 عاما أنجبه أبوه عام 1991، ثم دخل السجن على رغم أنه ضابط في نظام "صدام حسين".

إنها عائلة كردية عانت كثيرًا على يد "صدام حسينويحرص الفيلم على تأكيد أن "صدام حسين" كان يمارس الظلم على الجميع: العرب والأكراد والشيعة والسنة، ولهذا انتقلت الأم والطفل في تلك الرحلة من شخصية إلى أخرى، في رحلتها للبحث عن ابنها؛ لتقدم بانوراما للإنسان العراقي.

ونرى في تلك البانوراما السائق الكردي الذي يستغل الموقف لصالحه، ويحصل من الجدة على 500 دينار عراقي مقابل توصيلها إلى بغداد؛ لكنه يبدأ بعد ذلك في التعاطف معها، ويعيد المال إلى الجدة والحفيد في نهاية الرحلة.

أيضا نرى الجندي العراقي العربي الذي يجيد اللغة الكردية، لكنه يشترك في قتل الأكراد تنفيذا لأوامر "صدام حسينوترفضه الجدة في البداية، ثم تكتشف بعد ذلك أنه مثلها ضحية لتنفيذ أوامر القتل.

أما مشاهد البحث عن بقايا جسد الأب فقد قُدمت بإحساس مليء بالشجن، وأراد المخرج أن يضع الجميع في حيرة بين الرغبة في التسامح أو الانصياع للانتقام.. أي أن الفيلم يقع في إطار سينما الطريق "Road MovIe"؛ إذ نشاهد في الطريق كل البشر، ونكتشف أن المأساة واحدة!

لقد كان للحفيد رغبة في أن يتعلم الموسيقى؛ لهذا يمسك بآلة الناي التي كان يعزف عليها والده، ويرتدي أيضا سترته العسكرية، لكنه يختار -في نهاية الأمر- الناي، وهو في طريقه إلى "حدائق بابل" مع نهاية رحلة البحث، وترحل الجدة، ويبكيها كأنها تغلق صفحة من تاريخ العراق لتبدأ صفحة جديدة.

بطل الفيلم الطفل "ياسر طالب" قدم دوره بتلقائية؛ فهذه أول تجربة له، وأيضًا الجدة "شاردة حسين" التي وقفت لأول مرة أمام الكاميرا، وكانت لا تمثل بقدر ما تعيش الحياة؛ فهي واحدة ممن شهدوا في المحكمة ضد ممارسات "صدام حسين" تجاه الأكراد.

كما تفوق عنصرا الموسيقى "كادا كوريوالمونتاج "باسكال تشافالسوكان المخرج "محمد الدراجي" -الذي كتب سيناريو الفيلم- قادرا على ضبط إيقاعه، بحيث مزج لحظات الشجن بمواقف مليئة بخفة الظل؛ لتصل الرسالة إلينا في النهاية عميقة ومؤثرة!

أخيرا، كنت أرى أن مشاهد البحث عن بقايا عظام الأب في المقابر بها قدر من المبالغة هدفها استدرار مزيد من الدموع، بينما كان من الممكن اختصارهذه المشاهد للوصول إلى الهدف نفسه، بدون أن يسقط المخرج في فخ الميلودراما.

وبقي القول إن موت الجدة في النهاية لم يكن له مبرر درامي.. فلماذا لا نراها وهي تعيش التسامح، وتذهب مع حفيدها إلى "حدائق بابل".

على رغم ذلك كله، نحن بصدد شريط سينمائي لديه القدرة على أن يمتلك مشاعرنا طوال ساعتين هما زمن أحداثه!