EN
  • تاريخ النشر: 05 ديسمبر, 2011

فيلم مهرجانات أم جمهور؟! "أسماء" هند صبري يفضح نفاق المجتمع تجاه الإيدز

 هند صبري

هند صبري بطلة فيلم "أسماء"


الكاتب يتعرض في مقاله لفيلم "أسماء" الذي يَنقُل نظرة المجتمع لمريض الإيدز، ووضعه دائمًا في دائرة الاتِّهام الأخلاقي.

هل تصنف الأفلام باعتبارها أفلام جمهور أم أفلام مهرجانات؟ تلك هي المشكلة التي مع الأسف تعانيها عديد من الأفلام العربية، وخاصة مع الجمهور المصري عندما تحظى بقبول لجان التحكيم والنقاد وتحصد الجوائز، ولكن عادة يخاصمها الجمهور.. هذه الأيام يعرض تجاريًّا بالقاهرة  فيلم "أسماء" بعد أن تنقل في عديد من المهرجانات مثل أبو ظبي ولندن وبعد عشرة أيام يسافر إلى مهرجان "وهرانوعلى الرغم من ذلك فإن الرهان الحقيقي للفيلم هو في نجاحه مع الجمهور.

  تبدو مغامرة أن تقدم فيلمًا عن هذا المرض اللعين وأعني به الإيدز الذي يؤرق البشرية وخاصة في دول العالم الثالث حيث تغيب الثقافة التي تعتبر هي بمثابة خط الدفاع الأول للوقاية من هذا المرض.. ورغم ذلك فأنا أرى أن هذا الفيلم نظلمه كثيراً لو أننا فقط اقتصرت نظرتنا إليه على الجانب الطبي باعتباره يتناول معاناة مريضة بالإيدز -مرض نقص المناعة- إن هذا هو فقط ما يظهر على السطح قمة الجبل ولكن عمق جبل الجليد المغمور هو أن نملك الإرادة للمواجهة أن ننظر في عين الآخر ونعلن حقيقة ما نشعر به هذه هي القيمة الحقيقية التي يناصرها العمل الفني.

مريض الإيدز في مجتمعاتنا العربية يرفض أن يراه أحد حيث تلاحقه مباشرة الاتهامات الأخلاقية برغم أن انتقال المرض من شخص إلى آخر لا يعني بالضرورة أن وراء ذلك خطيئة أخلاقية.. ولهذا قرر المخرج والكاتب "عمرو سلامة" أن يحيل حالة مرضية حقيقية اقترب منها إلى  فيلم روائي يسمح له بأن ينقل للناس حقيقة مشاعر ومعاناة هؤلاء المرضى.. والتزم طبقاً لما ذكره بالعديد من تفاصيلها.

ويبقى في اختيار فكرة مريض الإيدز كبطل تستحق أن نتأمل نقطة الانطلاق هذه لأن هناك ولا شك محاذير سيكولوجية تستحق منا أن نتأملها بعيداً حتى عن هذا الفيلم تحديداً وأقصد بها العلاقة بين المتلقي والعمل الفني عندما يتناول مرضاً معدياً مثل الإيدز.

هل ضبطت نفسك مثلاً غير قادر على النظر إلى صورة منشورة في الجريدة تشير إلى وجه تنضح عليه مثلاً البثور؟! حزنت وأشفقت نعم ولكنك أيضاً على الأقل لا شعورياً كنت تخشى العدوى أن تنتقل إليك برغم أننا نتعامل مع صورة لا يمكن أن تنقل إليك المرض ولهذا لا نطيل النظر كثيراً إلى مثل هذه الصور.. أتصور أن تلك هي المعضلة التي واجهت الفيلم الروائي "أسماء" للمخرج "عمرو سلامة" حيث إنه يتناول حياة امرأة في منتصف العقد الخامس من عمرها مصابة بالإيدز أي أنه من البداية صنع مساحة من التباعد بين ما يقدم على الشاشة والجمهور.. ما هي معاناة مريض الإيدز في العالم إنها في تلك النظرة المحملة بالإشفاق والتي ترفع تحذير موجه للطرفين الناس والمريض مكتوباً عليها ممنوع الاقتراب كل منهما يخشى أن يقطع المسافة للآخر.. لا يزال الرعب يسيطر على الجميع عندما نضطر للتعامل مع مريض الإيدز وهو أيضاً يتعامل معنا كمنبوذ وربما لهذا السبب شاهدنا في اللقطة الأخيرة لفيلم "أسماء" البطلة "هند صبري" وهي تنزع القفاز عن يديها وتسلم على مقدم البرامج الذي أدى دوره "ماجد الكدواني".. إنها تفصيلة دقيقة ولكنها تعني أن الطرفين كل منهما عبر إلى الضفة الأخرى للثاني.. دعونا لا نقفز مباشرة للنهاية ولكن نتابع أكثر من ساعة ونصف في تلك الرحلة مع بطلة الفيلم.

المعاناة في وجهها الأقسى لمريض الإيدز تستطيع أن تلمحها في المجتمع الشرقي من خلال تلك النظرة التي تحمل اتهاماً أخلاقياً.. الفيلم يتوقف أمام تلك القضية وهي أن الناس يسيطر عليها في العادة اتهاماً بالانحلال الخلقي قبل أن تحدد موقفها من المريض هل تمنحه نظرة شفقة أم ازدراء هم يريدون أولاً شهادة البراءة بأنه لم يصب بالمرض بسبب انحراف أخلاقي وبعد ذلك يحددون موقفهم منه!!

يقدم الفيلم في بداية مشاهده تلك العلاقة بين الفتاة الحسناء "هند صبري" والشاب "هاني عادلحيث إن "هند" تعمل في صناعة السجاد وتبيعه في السوق وتبدأ شرارة الحب من أول نظرة عندما ترى "هاني" الذي كان قد أوشك على إتمام الخدمة العسكرية ويتزوجان.. وبسبب تعرضها للمعاكسة في السوق يجد نفسه وقد حوكم بجريمة القتل الخطأ وأثناء قضائه فترة العقوبة يصاب بمرض الإيدز وهو الذي كما نراه ونتأكد في سياق الأحداث وتتابعها قد نقله بدون أن يقصد أو تقصد إليها.. لقد حرص الفيلم على أن يؤكد لجمهوره أن البطلة لم ترتكب أي خطيئة وأنها ضحت بنفسها وتعرضت للإصابة بالمرض من أجل أن تنجب طفلة تحمل اسم زوجها.. وقع الفيلم في خطيئة درامية عندما أذاع السر لجمهوره ومنعه عن أبطاله!!

ورغم ذلك فلا شك أننا بصدد مخرج يملك قدرة على التعبير بمفردات السينما وذلك في ثاني تجربة سينمائية له بعد فيلمه "زي النهارده".. تفاصيل البناء الدرامي لشخصية مقدم برنامج التووك شو التي أداها باقتدار "ماجد الكدواني" فهو يبدو في البداية لا يعنيه سوى أن يقدم سبقاً إعلامياً ولكنه مع تسلسل الأحداث يكشف عن الوجه الآخر له وهو الإنسان القابع بداخله.. حرص المخرج على أن ينقلنا من الريف للقاهرة مع المحافظة بتفاصيل الديكور ومفردات الحوار على ملامح شخصياته الدرامية.. الكثير من اللمحات التي  حفل بها الشريط السينمائي التي تستطيع أن تقرأها على الشاشة حيث أن الفيلم بقدر ما يحمل مرارة يزرع أملاً وهو ما عبر عنه بكل المفردات الفنية في التصوير والديكور والموسيقى.. وستمكث كثيراً في الذاكرة "هند صبري" وهي تتقمص دورها بإبداع وألق في نبرة الصوت وبالإيماءة والحركة والنظرة أرى في أدائها لهذه الشخصية حالة استثنائية في مشوار "هند" المرصع بالعديد من الأدوار الهامة ولكن "أسماء" به ألق خاص.. ولا يزال "ماجد الكدواني" قادراً على إدهاشي في طريقة التقاطه لتفاصيل الشخصية التي يؤديها فهو يبث الحياة في تلك الأدوار التي قد يراها البعض عادية بلا ملامح حادة ويبرع "ماجد" في التحرك بنعومة تحت جلد هذه الشخصيات.. أعجبني في الفيلم "هاني عادل" الذي أدى دور زوج "هند صبري" وأيضاً "أحمد كمال" في دور الزوج القادم لها ونجح المخرج في أن يزرع الأمل في النفوس وأن يقترب من جبل الجليد المطمور خلف معنى أن يجهر المريض حتى بالإيدز بمعاناته وأن نتعلم أن نقول ما في أعماقنا بدون خجل أو خوف..هل يُكذّب الجمهور تلك المقولة التقليدية التي تقسم الأفلام بين سينما للجمهور وأخرى للمهرجانات.. أنتظر معكم النتيجة؟!