EN
  • تاريخ النشر: 08 فبراير, 2009

برع في دور "الجوكر" هيث ليدجر.. الموت يصنع نجما للأوسكار

احتفل الجميع بفوزه بجائزة الكرة الذهبية كأفضل ممثل مساعد 2009؛ إلا صاحب الجائزة الممثل الأسترالي هيث ليدجر Heath Ledger نفسه، الذي ودع الحياة فجأة في الثاني والعشرين من يناير/كانون الثاني 2008.

احتفل الجميع بفوزه بجائزة الكرة الذهبية كأفضل ممثل مساعد 2009؛ إلا صاحب الجائزة الممثل الأسترالي هيث ليدجر Heath Ledger نفسه، الذي ودع الحياة فجأة في الثاني والعشرين من يناير/كانون الثاني 2008.

والغريب أن وفاته الغامضة جاءت بسبب تناوله جرعات زائدة من أقراص منومة ومهدئة، وكأن صاحب الأعوام الـ29 تعجل فراقَ الحياة في لحظة غضب، أو نوبة استهانة بموهبته الجميلة. أو ربما كان يداعب الدنيا بحسه الكوميدي المعروف، لكن يبدو أن المزاح كان ثقيلا، وجاء في غير وقته تماما.

وعلى الرغم من عمره الفني القصير؛ فقد قدم ليدجر شخصيات متعددة في أفلام أمريكية متنوعة، حجزت له مكانة خاصة عند الجمهور، وكافأه النقاد بترشيحه مرة واحدة للأوسكار، بخلاف 33 ترشيحا، وفوزه بـ21 جائزة.

لكن تظل شخصية الجوكر التي قدمها في فيلم "فارس الظلام The Dark Knight" 2008، علامة بارزة في تاريخه وتاريخ السينما الأمريكية. فهي واحدة من أشهر وأعقد الشخصيات التي ظهرت مع حكايات وأفلام "الرجل الوطواط Batman"، ويعد ليدجر أول ممثل غير أمريكي يجسد هذه الشخصية.

إنه قاتلٌ مريضٌ نفسي يستمتع بالقتل، وحزمة ديناميت متنقلة تهدد بإبادة أي مجتمع. تناول ليدجر هذه الشخصية بصدق وتوحد معها، فاستقبلها المتلقي كما أرسلت له بكل إخلاص وإقناع. وكأن الشر تكوين متأصل في شخصية الجوكر، الذي تفرغ وتفنن لطمس وجوه الخير داخله وداخل البشر.

نتذكر مشهد إحراق الجوكر لجبل الأموال قبل النهاية بمنتهى البساطة والمتعة وشقاوة الصغار، والذي يعد من أفضل وأخطر مشاهد هذا الفيلم دراميا وتمثيليا. مفترض أن الجوكر شخصية كوميدية، لكنها كوميديا سوداء مرعبة تسيل الدماء! فهو يعرف جيدا كم خاض آخرون معارك ضارية أسوأ من معارك الحيوانات المفترسة للحصول على دولار واحد من هذه الأموال.

لكن الجوكر لا يبحث عن المال، وإنما عن سر وجوده في تخطيط وتنفيذ خطوات أفعال الشر للشر، إنه يعيش لنفسه فقط يحرك مصائر الضعفاء كالعرائس وهذا يكفي.

لم يحقق ليدجر هذا الاندماج المتكامل من فراغ، فقد قرر أن يعيش وحده في غرفة بأحد الفنادق لمدة شهر كامل لدراسة الشخصية، وراح يتخيلها في ذهنه، ويجرب بينه وبين نفسه صورة هذا الجوكر الرهيب، من ناحية التشريح السيكولوجي المعقد لهذه الشخصية المتفردة. وخلق لها الإيماءات واللفتات، وطبقات الصوت التي يتحرك بينها، وكيفية إلقاء الكلمات، وأسلوب النظرات، وميكانيزم التحركات.

إن حاسة التدمير محفورة في فطرة الجوكر كنموذج بشري لشخصية الشيطان على الأرض، مع تعويض قدراته الخارقة بفكره الرهيب. فالجوكر يوسوس إلى نفسه ليزيدها متعة على متعة، ويوسوس إلى الآخرين بما ينهبون ويدمرون ليتساقطوا حوله كأوراق الأشجار، ويضحك هو ويشعر بالتميز.

ولا يستطيع أحد أن يتصدى له إلا من كان يناقضه في توجهه الفكري، ويشبهه في قدراته الخارقة مثل فارس الظلام لمقاومة إغوائه الشديد، حتى لا يسقط في الخطيئة مثل الآخرين. لا بد لمن يتجرأ ويحاربه أن يكون ثريا برصيد هائل من القدرات الذهنية، لينافس الجوكر الذي يلعب على كل الحبال بمهارة البهلوان في مخططاته الجهنمية. فبطل الكوتشينة يصنع الجحيم كي يتسلى وينتشي، ثم يضحك ويخرج لسانه ليتفاخر بقيمته في الحياة!.

ظل ليدجر يدون كل ما يصل إليه في يومياته، ويعمل على تصليحها وتنقيحها وتثبيتها، حتى وصل إلى شكل متكامل في رأسه يرضى عنه قبل الوقوف أمام الكاميرا، كوسيلة لتحقيق المعايشة المتكاملة لأفكار ومشاعر ووعي هذه الشخصية الرهيبة، التي تمثل تقليدا عارما لجنون السلطة المطلقة.

وقد وجد ليدجر أن الأمر صعب للغاية، ليس لأنه يبتكر شخصية من الصفر، بل لأنه لا بد أن يضع خطوطا مختلفة مع الشخصية الممتعة للجوكر، التي قدمها العبقري جاك نيكلسون في "الرجل الوطواط Batman" 1999. ومن الذي يجرؤ على منافسة ممثل نابغة زمانه مثل نيكلسون؟!.

بقدر ما أخلص ليدجر في التحضير لهذه الشخصية ومصادقتها، بقدر ما بلغ ذروة النجاح مع الجوكر، حتى شممنا رائحة الفساد النفاذة من وراء الشاشة العملاقة.

قد ينشغل أو ينبهر البعض بماكياج الجوكر وتعريجاته المخيفة، التي تتكون من ثلاث قطع مصنوعة من السيليكون لتعبر عن قبحه الخارجي، لكن المقياس الأهم لمدى نجاح ليدجر في تلبس الشخصية هو عبور المتلقي حاجز ماكياج الوجه للوصول إلى فطرة القبح بداخله، والذي يمثل خريطة مجسمة لجحيم الدنيا قبل بلوغ العالم الآخر.

بعد الانتهاء من تصوير الفيلم فجأة تم الإعلان عن وفاة ليدجر الذي أوشكت موهبته على الازدهار والنضج، وكانت صدمة قاسية لزملائه وجمهوره الذين خسروه، وربح الفيلم دعاية هائلة في العام كله؛ وهذه هي سخرية القدر!.

رحل ليدجر بجسده وبقيت موهبته تطيل عمره على الشاشة.. فقد عانى سنوات وهو يحاول محو صورة الممثل السطحي التي ألصقت به، وعندما نجح ومسحها تماما بدور لا ينسى، مسح معها اسمه دون قصد من عالم الأحياء وليس من عالم الفنانين الموهوبين، ليقدم نموذجا لخلود الفن الجميل لمن يبحث عنه.