EN
  • تاريخ النشر: 13 ديسمبر, 2009

فيلم هزيل لهنيدي يفتقر لمقومات الفن هنيدي يغرق بـ"أمير البحار" في كوميديا "الشتائم"..!

تدليل النجم هو أزمة الفيلم

تدليل النجم هو أزمة الفيلم

هناك أفلام يجب أن تذهب إليها كي تشاهدها.. وأفلام أخرى يجب أن تأتي هي إليك ويرجوك صناعها أن تشاهدها.. النوع الأول سوف يضيف شيئا ما لخبراتك العقلية أو الشعورية، أما الثاني فلن يضيف لك شيئا، ولكنه على كل حال لو لم يفدك فلن يضرك.

هناك أفلام يجب أن تذهب إليها كي تشاهدها.. وأفلام أخرى يجب أن تأتي هي إليك ويرجوك صناعها أن تشاهدها.. النوع الأول سوف يضيف شيئا ما لخبراتك العقلية أو الشعورية، أما الثاني فلن يضيف لك شيئا، ولكنه على كل حال لو لم يفدك فلن يضرك.

وإذا كانت المباشرة تؤذي الفن، فإن "العادية" تقتله، لأنه لو لم يفلح الفن في أن يكون شيئا غير عادي أو أن يصنع من الشيء العادي شيئا غير عادي لما استحق أن يطلق عليه أي صفة وجدانية مميزة.

فيلم "أمير البحارالذي يتقدم حاليا الإيرادات للممثل المصري محمد هنيدي، ينطبق عليه النوع الثاني من الأفلام، ليس لأنه فقط فيلم عادي يفتقد للكثير من مقومات الفن أو التميز، لكن لأن صناعه يبدو أنهم يدركون جيدا أنهم يقدمون فيلما بالمنظور التجاري البحت.

يقدم هنيدي في الفيلم شخصية الشاب المدلل "أمير" الولد الوحيد على أربع فتيات، الذي أفسده تدليل أمه له وضعف شخصية والده، حتى إن "أمير" يتعامل مع الآخرين من منطلق أنه أوسم وأنجح وأعظم قبطان في تاريخ البحرية المصرية، على رغم أنه فاشل دراسيا، وله اثنا عشر عاما لم يتمكن فيها من اجتياز تخرج الأكاديمية البحرية.

هذه الشخصية التي اختارها هنيدي هذه المرة هي شخصية جديدة عليه بالفعل، فهو عادة ما يقدم شخصية شاب مصري كادح أو معدم أو صعيدي أو ريفي ساذج مثل "رمضان مبروك أبو العلمين".

صحيح أن طريقة كلام الشخصية الجديدة، ونبرة الصوت، وطريقة الأداء كانت سمجة في بعض الأحيان، وبدت مفتعلة ومتكلفة.. إلا أن أغلب المدللين هكذا، لكن أكثر ما يلفت النظر في الشخصية أن هذا الفيلم لم يكن لينتج، لولا أن هنيدي هو بالفعل نجم مدلل في الوسط السينمائي المصري.

يشعرك "أمير البحار" بأن شركات الإنتاج تدلل هذا النجم، وتستجيب لكل ما يريد، وإلا ما الذي يجعلها تقدم على إنتاج مثل هذا الهزل الفاقع! تاركة السيناريو يستخدم كل عناصر الركاكة الكوميدية، بداية من الشخصيات البدينة التي تتدحرج طوال الفيلم مثل "البرميلوصولا إلى كوميديا الشتائم والصفع والشلاليت والضرب بالقفا؟.

وفي أي منطق فني يمكن أن نحتمل أن هنيدي الذي اقترب من الخمسين من عمره تكون حبيبته في الفيلم هي شيرين عادل التي لا تزال في أوائل العشرينات! وأنهما كانا يستحمان أحدهما مع الآخر في "بانيو" واحد، وهما صغيران كما تقول له.. ولكن في المزاح والتدليل كل شيء محتمل!.

التدليل هو أزمة هذا الفيلم بكل عناصره.. فتصوروا أن السيناريو لديه مثلث عاطفي طريف هو أمير الشاب المدلل التافة الفاشل، وحبيبته سلوى التي هي جارته في الوقت نفسه، وصديقه نزار "ياسر جلال".. الذي يقنعه بالمنطق الهزلي بأن يصبح مندوبا عاطفيا لأمير لدى حبيبته.. كي يجعلها تغير رأيها في مسألة إخوتهما وموضوع الاستحمام في بانيو واحد وهما صغيران.

لكن لأن التدليل زيادة فإن أغلب مواقف هذا المثلث تصبح ماسخة، وكل الإفيهات التي يمكن أن تخرج من هذه المواقف تتحول لاستظراف خانق.

بل إن الجمهور المسالم لن يشغل نفسه بملامح هنيدي وتكوينه الجسدي الخمسيني، في مقابل شباب شيرين عادل وفساتينها الهفهافة على سطح المركب، وعندما تهرب سلوى ليلة دخلتها إلى صديقه.. وتذهب إلى أمير في المركب، ويخرج بها وبأسرته وأصدقائه إلى عرض البحر.. لن يهتم الجمهور بأن يتعرض أبطال الفيلم إلى القرصنة على بعد 20 ميلا فقط من فنار الإسكندرية، وهي مسألة غير معقولة على الإطلاق!

كما أن أمير يتحدث عن الصومال والقراصنة الأفارقة طوال الوقت؛ كأنه خطف في البحر الأحمر.. وكان الأوقع إذن أن تدور الأحداث هناك مادام يريد السيناريو أن يتخذ من القرصنة عنصرا دراميا.

لكنه يمزح ويتدلل على الجمهور؛ فلماذا يجب ألا نقبل تدلُّله علينا.. ولماذا لا نتقبل أن النصف الثاني من الفيلم يدور فوق سطح المركب بدون ماء شرب، كما أعلن البحار للقبطان أمير.. وبدون منطق غذائي في توافر الطعام لهذا الكم من البشر.. بل دون منطق عددي يقول إن عدد الرهائن يفوق عدد القراصنة، ومن الرهائن أربعة تلقوا تدريبا شبه عسكري هم أمير وزملاؤه في الأكاديمية!

إن السيناريو الهزلي لا يشغل المتفرج بهذه التفاصيل الإيهامية التافهة.. ومن حقه أن يتجاهلها أو يقولها ثم ينفيها.. فالمهم أن يحدث الانقلاب على القراصنة في النهاية من قبل أمير وأسرته وحبيبته وأصدقائه، ويتم قذف القراصنة في البحر دون أن يسأل أحد نفسه: لماذا لم يكن ذلك من الأول؟

إذا تقبل الجمهور التدليل فلماذا أنكد عليه؟ الغريب أنه وسط كل هذا الهزل واللعب تجد فجأة مشهدا يقرر فيه أمير أن يضحي بنفسه من أجل أسرته وأصدقائه.. بأن يكون هو الرهينة التي تقتل لعدم تسليم الفدية؛ فإذا بنا أمام مشهد ميلودرامي "عنيف".. حيث حركة كاميرا بطيئة وفتاة تصرخ في شريط الصوت مع موسيقى أوبرالية حزينة.. ما استدعى أن يصمت الجمهور منتظرا أن تسفر اللقطة عن "إفيه"؛ لكنه يفاجأ بأنه أمام لحظة حزينة.. فاته أن يتأثر فيها أو بها.. وهي ليست غلطته بالطبع؛ لكنها من مساوئ أن يهزل صناع الفيلم بقليل من النكد، دون أن يكون له محل من الإعراب الكوميدي في السياق العام للعمل.

والجمهور الذي يتقبل أن تهرب سلوى ليلة دخلتها بجينز وتي شيرت.. ثم لا يتساءل من أين أتت على سطح المركب في عرض البحر بفساتين هفافة ترقص بها على أغنية تيتانيك مع أمير.. هو بلا شك جمهور طيب يدرك أبعاد المعادلة التي تقول "أعطني ضحكا دون منطق، وبكل الوسائل الفنية وغير الفنية أعطيك إيرادات بلا حساب"!

وحتى وائل إحسان نفسه كمخرج نشيط.. يمارس الكثير من كسل الدلال في إخراج هذا الفيلم.. فبعد أن أنجز حالة كوميديا بصرية جيدة في فيلمه السابق مع هنيدي "رمضان مبروك أبو العلمينوبدت إيقاعات لقطاته وزواياها وأحجامها أكثر نضجا وحيوية.. يعود مع تدليل أمير البحار خطوة للوراء، ويبدو أقل حرفية وأكثر تراخيا في تنشيط دم الفيلم، وتسريع نبضه.

أما موسيقى الموسيقار السوري رعد خلف.. فبدت كما لو كانت ضمن الخطة الصوتية لفيلم آخر غير هذا الفيلم! لأنها لو كانت موضوعة بالفعل لهذا الفيلم؛ فهي إذن بداية غير موفقة في السينما المصرية لموسيقى محترم ذي موهبة جيدة.

(*) مقال خاص ، ويعبر عن وجهة نظر كاتبه