EN
  • تاريخ النشر: 05 فبراير, 2012

الحكم بسجنه يهدد الإبداع الفني هل ازدرى عادل إمام الإسلام أم ممارسات رجال الدين؟

شائعات متكررة بين الحين والاخر حول وفاة عادل إمام

عادل إمام يواجه حكمًا بالسجن بتهمة ازدراء الدين

الحكم الصادر في حقه بالسجن ثلاثة أشهر يثير الرعب في الحياة الثقافية وليس فقط الفنية لأن القضاء قد يسارع بالإدانة بينما العمل الفني لا يتناول شيء يمس الأديان

  • تاريخ النشر: 05 فبراير, 2012

الحكم بسجنه يهدد الإبداع الفني هل ازدرى عادل إمام الإسلام أم ممارسات رجال الدين؟

 

لا يمكن لأحد أن يدافع عمن يحض على ازدراء الأديان، لكن هل حقًا "عادل إمام" في أفلامه ومسرحياته التي بني عليها الحكم الصادر في حقه بالسجن ثلاثة أشهر وتغريمه ألف جنيه يزدري الدين الإسلامي.. بالطبع استأنف "عادل" الحكم الغيابي الذي أصدرته محكمة جنح الهرم استند القاضي إلى أن أفلامه مثل "الإرهابي" ومسرحية "الزعيم" وغيرها تنطوي من وجهة نظر المحكمة على تجاوزات في حق الدين الإسلامي.

الحقيقة هي أن أفلام "عادل" تحمل بلا شك نقدًا ليس للأديان وتحديدًا الدين الإسلامي لكن لبعض ممارسات رجال الدين.. كثير مما يقدمه "عادل" لدي ملاحظات سلبية عليه وكثيرًا ما انتقدته بسبب تلك المباشرة التي يقدمها في أفلامه ومن الممكن مراجعة مقالاتي على موقع "أم بي سيلكن أن نختلف فنيًّا مع أسلوب فنان لا يعني أن يدان بازدراء الأديان.

الأمر هنا مختلف تماماً "عادل" لا يقدم في الحقيقة أفكاره ، ولكن ورائه كاتب ومخرج سوف تجد أن قسط وافر من هذه الأفلام سواء تلك التي استند إليها الحكم القضائي أو التي لم يتطرق لها الحكم تحمل وجهة نظر كتاب مثل "وحيد حامد" و"يوسف معاطي" ومخرجين "شريف عرفة" و"على إدريس" و" نادر جلال".

أين الفاعل الأصلي؟

والغريب أن الحكم لم يتطرق إلى أن صانع الفيلم طبقًا للقانون هو المخرج والمؤلف بالدرجة وهذا لا يعنى تبرئة ساحة المؤدي، لكن الفاعل الأصلي هو الكاتب والمخرج، ثم أن هذه الأعمال الفنية حظيت بموافقة الرقابة على المصنفات الفنية، والمفروض أن الحكم يحمل إدانة لمن وافق على العرض أي وزارة الثقافة المصرية، لكن من الواضح أن عادل كان هو المستهدف في الإدانة.

"عادل" يتحمل ولا شك مسؤولية نشر الفكر الذي طرحته هذه الأفلام وغيرها، وهو لم يكن مجرد مرددًا لما يأتيه من أفكار، والقضية حتى الآن لا تزال معروضة أمام القضاء في مرحلة الاستئناف، إلا أنني أرى أن ما يقدمه "عادل" يدخل في إطار النقد لرجل الدين وليس للدين والفارق كبير.

هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها "عادل إمام" إلى هذا الاتهام وليست أيضًا المرة الأولى التي يصدر بحقه حكمًا بالسجن، فلقد أدين في عام 1982م بالسجن لمدة عام بسبب إهانة القضاء في فيلم "الأفوكاتووأخذ العقوبة نفسها مؤلف ومخرج الفيلم "رأفت الميهي" وسقط الحكم في الاستئناف.

ربما لو صدر هذا الحكم في توقيت سابق للثورة ما كان من الممكن أن يثير أي مخاوف، لكن لو عدنا إلى ما استندت إليه المحكمة في إصدارها للحكم، ومع كل التقدير للقضاء المصري هذا الحكم سوف يلقي بظلال عديدة على الحياة الإبداعية في مصر.

ومن الممكن أن يقرأها بعض الأشخاص من منظور سياسي في ظل الإحساس الذي يعلو الآن بأن كل شيء لا يمكن أن تعزله عن سيطرة الفصيل الإسلامي على الحكم، لأنهم يستحوذون على أكثر من 70% من المقاعد النيابية في مصر هذا هو التفسير الذي يتم تداوله، لكن لا أتصور أن الحكم يحمل في بعده رؤية سياسية.

ضياع الحصانة

إلا أن المؤكد أو الوجه الآخر للصورة هو أن "عادل إمام" أيام مبارك كان يضمن ألا يمسه شيء مما يجري فهو في مأمن في نهاية الأمر، لأن مؤسسة الرئاسة كانت تعتبره صوتها، وكان لا يقترب منه أحد لا الضرائب تستطيع أن تسأل عن شيء يمس ذمته المالية، ولا أي إدانة  قانونية من الممكن أن تلحقه بأذى. الأمر تغير بالطبع.

كانت الدولة فيما يختص بالقضاء تملك كثيرًا من الأوراق، ما يضمن لها السيطرة على كل شيء.. أتذكر في عام 1987م كانت نيابة الآداب قد أحالت كل من "يحيى الفخراني" و"معالي زايد" و"رأفت الميهي" للمحاكمة بسبب لقطة في فيلم "للحب قصة أخيرة" لم تكن في الحقيقة لقطة سينمائية وهي 24 كادر في الثانية، لكنها كانت لقطة واحدة كادر واحد ثابت تم التقاطه لإدانة فريق العمل كله، وتدخلت السلطة السياسية وأوقفت التقاضي وانتهت القضية.. هذه المرة الأمر مختلف تمامًا لن يمارس أحد ضغوط.

القضاء ينبغي أن يتحلى بالقدرة على قراءة الأعمال الفنية وإلا أصبح كل فنان مطاردًا.. لا نريد من سلطة سياسية أن تقف ضد القضاء لحماية فنان  يتعرض لحكم، لأنها من المؤكد سوف تلجأ في هذه الحالة إلى الانتقاء، فهي على حسب توجهها ترفض هذا أو توافق على ذاك من باب ما الذي سوف تحققه من هذا الفنان وهل هو في فريقها أم لا؟.

ليس هذا هو المطلوب، لكن ينبغي أن يصبح الهدف هو الدفاع عن حرية التعبير، وأن ندرك أن انتقاد ممارسات بعض رجال الدين لا يعني أن الفنان ضد الأديان، لكن هؤلاء في النهاية بشر.

لم أكن أرتاح إلى مبالغات "عادل إمام" ولا إلى تلك المباشرة التي يقدمها في أغلب أفلامه عندما ينتقد التطرف الديني؛ حيث كان يتبنى دائمًا وجهة نظر النظام البائد، وعلى الرغم من ذلك فإن هناك فارقًا بين انتقاد عمل فني نختلف أو نتفق عليه وبين إدانة جنائية تتوجه مباشرة لفنان.

القضية ولا شك تثير الرعب في الحياة الثقافية وليس فقط الفنية لأن القضاء قد يسارع  بالإدانة بينما العمل الفني لا يتناول شيء يمس الأديان.

 (*) ناقد مصري ، والمقال خاص بـmbc.net